بعد مناورات وجولة شدّ حبال رافقها توتر ملحوظ، بين «كاديما» و«العمل»، توافق الطرفان على المشاركة بحكومة ائتلافية، برئاسة الأول، بيرتس أعلن ترشيح أولمرت لرئاسة الحكومة المقبلة.
كما أعلن أن هذه الأخيرة على رأس أولوياتها دفع عملية السلام، رئيس الوزراء المرشح كان أوضح عندما قال إن برنامجه السياسي يقوم على «خريطة الطريق» )!( أولاً ثم «ترسيم الحدود بشكل أحادي في حال تعثّرت المفاوضات مع الفلسطينيين». طبعاً كانت الإشارة إلى «الخريطة» من باب ذر الرماد في العيون.
برنامجه يقوم على بند واحد ـ مع الفلسطينيين ـ : الترسيم وفرضه كأمر واقع. وقد فضح نتنياهو، من غير أن يريد، ربما هذا هو التوجه، عندما أعلن عدم قبوله بعرض أولمرت للمشاركة في الحكومة، على قاعدة أن الليكود «يرفض سياسة الانسحابات الأحادية، لأنها لا تجلب الأمن لإسرائيل»!
إذن، المشهد واضح والتوجه صريح، لا لبس فيه، وكل التقديرات تشير إلى أن أولمرت قادم بتركيبة وزارية تحظى بدعم متوازن في الكنيست، لوضع هذه السياسة موضع التنفيذ.
وحسب التوقعات، حكومته ستكون جاهزة في القريب العاجل. فالموضوع لم يعد «إذا» أو «متى»، بالنسبة لحزب «كاديما» وطروحاته، بل صار «ماذا» و«كيف» بالنسبة للجانب الفلسطيني، وما يعدّه لمواجهة هذه السياسات العضوية الابتلاعية الصهيونية؟
حتى اللحظة، واقع الوضع الفلسطيني لا يوحي بأنه يرقى إلى مستوى التحدّي. ليس فقط أنه لم يقوَ بعد على تقليص مسافات التباعد بين قواه وفصائله.
بل هو يتحرك بما يحول دون حدوث تقارب من النوع الذي يعزز حصانته، فعلى سبيل المثال يتردد أن هناك توجّها جادا لدى جهات فاعلة «تأليف حكومة ظل»، حتى إذا ما انهارت الحكومة القائمة تحت وطأة الحصار، كان البديل جاهزاً لتأمين الاستمرارية!
حكومة من هذا النوع يمكن الحديث عنها في ظل أوضاع طبيعية وليس في ظل حالة الكل فيها تحت سيف التهديد، فالمطلوب الآن أن لا يتفرج طرف على الآخر وينتظر غرقه ليتولّى متابعة المسيرة بعده، المطلوب العمل للحيلولة دون غرق المركب الذي يحمل الجميع على متنه، كذلك.
ومن الجهة الثانية، أشارت التقارير إلى كتاب أرسلته حكومة «حماس» إلى الأمين العام للأمم المتحدة يتحدث وللمرة الأولى عن الاستعداد «للعيش بسلام في دولتين».
إذا كانت هذه النية موجودة، أو هي ظهرت بعد الجلوس في كرسي المسؤولية ومستلزماتها، فما هو السبب الذي حال دون مشاركة ائتلافية تنهض على هذا الأساس المشترك؟ ما الذي يبرر استمرار التباعد؟
لماذا تقوى الأطراف الإسرائيلية على تكوين التحالفات والائتلافات في حكومات واحدة، على قاعدة قواسم مشتركة، ولا تقوى الأطراف الفلسطينية على تحقيق مثل هذا التحالف، خاصة إذا كانت اللحظة تستوجب ـ كما هي الآن ـ بل تفرض مثل هذا الانسجام المرحلي؟
جرّافة شارون التي يقودها أولمرت، تتأهب لافتراس المزيد من الأرض، وتقويض عناصر قيام دولة فلسطينية. وهي تزودت بمحروقات «تفهّم» إدارة بوش لانقضاضها الحدودي، كل ذلك على الأبواب فيما يعاني الوضع الفلسطيني من خطر الإفلاس المالي فضلاً عن خطر المجاعة في غزة بسبب اشتداد الحصار الإسرائيلي.
وكانت القرصنة ضد سجن أريحا مؤشراً مبكراً على الجرعات العدوانية الإسرائيلية اللاحقة، فهل تحتاج الساحة الفلسطينية محفزات أقوى وأكثر لكي تصيبها الصحوة، فتستجمّع قواها كافة لمواجهة «سلام» أولمرت العدواني القاتل؟