غطت ضجة الفضائح الأخيرة التي تحاصر إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش على فضيحة أكاديمية تفجرت في ساحة جامعة هارفارد، وحولتها إلى ميدان للحرب ضد اثنين من اكبر أساتذة العلوم السياسية، تسلحاً بجرأة نادرة.

وفضحاً لـ «الأصابع الخفية» لإسرائيل، التي تطبخ قرارات السياسة الخارجية الأميركية، على قاعدة واحدة وهي: ضمان امن وحماية إسرائيل، حتى لو كان الثمن إهدار المصالح الأميركية.

وتحت سطوة وعنفوان الهجمة العنصرية من جانب «الأصابع الخفية لإسرائيل» تنصلت جامعة هارفارد من دراسة أكاديمية قدمها البروفيسور ستيفن والت عميد كلية كيندي للسياسة، وزميله جون مير شيمر أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو.

وحذفت الدراسة التي وضعت بعنوان «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية» من الموقع الإلكتروني لكلية كيندي، وكأنها سبة أو خطيئة، تجلب العار، رغم إدراك كل القيادات العلمية لمدى رصانتها ومنهجيتها العلمية، وثرائها المعرفي، وأسانيدها الواقعية، لكنها كسرت حاجز الممنوعات والمحظورات.

وتخطت الخطوط الحمراء، ودخلت بواضعيها الأكاديميين إلى «عش دبابير» اللوبي الإسرائيلي، بقدراته الجهنمية على إسكات أي صوت يعلو، أو القضاء على المستقبل العلمي والسياسي لكل من يتجرأ على الكلام في هذه القضية.

وهناك من الأمثلة ما نعجز عن الإلمام به في هذه الإطلالة السريعة، يكفي أن نتذكر السيناتور بول فيندلي صاحب كتاب «من يجرؤ على الكلام» وكيف فقد موقعه للأبد داخل الكونغرس عقاباً له على فضح «اللوبي الإسرائيلي».

لم يشفع لواضعي دراسة «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية»: صيتهما العلمي ورصيدهما الأكاديمي كونهما من ابرز أساتذة العلوم السياسية، وتتلمذ على يديهما الآلاف من موظفي الخارجية الأميركية وكبار مسؤوليها.

وأجبر ستيفن والت على الاستقالة من منصب عمادة كلية كيندي بجامعة هارفارد، وزاد احد الموالين لأصابع إسرائيل الخفية باتهامه وزميله بأنهما نقلا دراستهما عن مواقع الكترونية للنازيين الجدد وأخرى معادية للسامية، وهى تهم كفيلة بإدخالهما السجن، بعد أن أصبحت معاداة السامية، تعني انتقاد إسرائيل.!

لهذا الحد بلغت قوة «اللوبي الإسرائيلي» حتى في المحافل العلمية، وهو أمر يفسر لمن يعوزه الفهم، أو يتنطع من أبناء أمتنا، سبب الانحياز الأميركي لإسرائيل، ليس الآن أو أمس أو غداً، بل منذ البداية، وفى فجر نكبتنا عام 48 أو نكستنا وهزيمتنا عام 67 من القرن الماضي.

فمن المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية اعترفت بقيام إسرائيل بعد 11 دقيقة فقط من إعلان الإرهابي ديفيد بن غوريون وثيقة قيام الكيان الصهيوني، على ارض فلسطين المغتصبة.

دون مبالغة، أو تبسيط مخل يمكننا القول إن أصابع إسرائيل الخفية تقف خلف كل قرار أميركي يتعلق بمنطقتنا، لا فرق بين تلك التي تعالج قضايا التبادل التجاري والسلعي أو التي تتصدى لمجريات الصراع السياسي.

وحتى التي ترتبط بصناعة السينما، الإعلام والثقافة، فضلاً عن قضايا التسلح وواردات السلاح، خذ مثلاً قضية «اتفاقية الكويز» أو المناطق الصناعية المؤهلة، التي فتحت أبواب التطبيع الصناعي على مصراعيها لإسرائيل، بعد أن عجزت اتفاقيات الصلح والسلام عن فتحها، وتكفلت أميركا بفتحها حيث أرست معادلة:

إسرائيل أولاً كشرط لدخول المنتوجات المصرية أو الأردنية إلى الولايات المتحدة الأميركية، وهي الحقيقة التي لخصتها دراسة «اللوبي الإسرائيلي» أي أن مصلحة إسرائيل تسبق في الأولوية المصلحة الأميركية.

قبل نشر تلك الدراسة في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» المتخصصة في نشر مراجعات أحدث الكتب، عقد الاجتماع السنوي، للجنة العامة للعلاقات الأميركية الإسرائيلية «إيباك» وهي المظلة الأم لأكثر من ألفي جمعية ضغط وعلاقات عامة تدافع عن مصالح إسرائيل، وكان ضيف الشرف نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني.

وجاء خطابه صدى لخطاب نخبة التطرف الصهيوني في تل أبيب، وتحريضاً على حصار السلطة الفلسطينية، وعقاب الشعب على انتخابه حركة حماس، وقطع أي مساعدات دولية.

وبعد الاجتماع رددت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس مفردات الخطاب السياسي لإيهود أولمرت وريث الإرهابي ارييل شارون، وروجت للقبول بخطته الهادفة لابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية في الضفة تحت لافتة «الفصل أو الحل الأحادي» بزعم غياب الشريك الفلسطيني.

ووجود سلطة «إرهابية» في رام الله وغزة، وهي كذبة إسرائيلية أميركية قتلت بها كل مبادرات الحل السلمي، حتى يتسنى لإسرائيل البدء بمباشرة دورها كقوة وقطب إقليمي قائد للمنطقة عبر البوابة الأميركية. ولا عزاء للمخدوعين العرب!