يقول بعض المحللين في سياق تحليل انتفاضة الشارع السوداني في مطلع صيف عام 1985 ضد نظام الرئيس جعفر نميري، إنه لو كان نميري داخل البلاد في ذلك الحين لاستطاع احتواءالوضع.. وبالتالي ما كان للنظام ليسقط. ربما.
لكن وجود الرئيس نميري آنذاك خارج البلاد كان جزءاً من سيناريو عملية الإطاحة بالنظام. وهو سيناريو أميركي.
قبل عامين من اندلاع الانتفاضة في الخرطوم ـ أي في عام 1983 ـ كانت الإدارة الأميركية برئاسة رونالد ريجان قد توصلت إلى قناعة حاسمة بوضع نهاية للرئيس نميري، لكن دون أن يتغير التوجه السياسي الخارجي للسودان كدولة تابعة للولايات المتحدة.. أي دون أن تتغير مرتكزات السياسة الخارجية التي كان ينتهجها ذلك الدكتاتور منذ أن قضى على الشيوعيين في عام 1971.
لكن تبلور هذه القناعة على شكل نهائي سبقه خلاف حاد بين السفارة الأميركية في الخرطوم وكبار مستشاري الرئيس ريجان في البيت الأبيض حول مصير نميري ونظامه، فبينما كان فريق السفارة يرى أنه قد آن الأوان لتتخلص واشنطن من نميري كان فريق المستشارين في واشنطن يرى أن ذلك الدكتاتور السوداني أفضل صديق للولايات المتحدة في إفريقيا.
ورغم أن فريق السفارة لم يكن يمارى هذه الحقيقة، إلا أن حجته بوجوب التخلص من نميري كانت تستند إلى أمرين:
أولاً: تدهور صحة الرئيس السوداني مما جعله عاجزاً عن تصريف شؤون السلطة بصورة مسؤولة.
كان نميري يعاني من حين لآخر حالة فقدان ذاكرة مؤقتة نتجت عن عملية شريانية أجريت له في الولايات المتحدة.
ثانياً: إن كل أوراق لعبة السلطة لدى نميري قد احترقت بعد أن توحدت أحزاب المعارضة في جبهة وطنية، فلم يعد الرئيس قادراً على استغلال التناقضات السياسية بين قادة هذه الأحزاب.
وبناء على هذا الطرح كانت السفارة تقترح على واشنطن التحرك لوضع نهاية لنظام نميري قبل فوات الأوان، واستبداله بصيغة حكم للمحافظة على النفوذ الأميركي في السودان، بالتشاور مع بعض قيادات المعارضة.
في سبتمبر من ذلك العام ـ 1983 ـ حدث تطور هو الذي أدى إلى حسم الخلاف الأميركي لصالح السفارة. فقد أعلن نميري «قوانين سبتمبر».. تلك الحزمة من القوانين التي أطلق عليها نميري «الشريعة الإسلامية».
ورغم أن المسؤولين الأميركيين كانوا يدركون أن تلك الحزمة كانت خلطة من قوانين يغلب فيها الطابع الأمني القهري على قوانين الشريعة كمحاولة أخرى من نميري للإبقاء على حكمه الاستبدادي، إلا أنهم رأوا في مجرد إعلان القوانين الدينية الإسلامية ـ ولو بطريقة تدليسية ـ سابقة خطيرة ولعباً بالنار.
على أية حال، يمكن القول إن العد التنازلي للسيناريو الأميركي لإسقاط نظام نميري بدأ بالفعل آنذاك:
في هذا الصدد برز في عام 1983 تطوران ذوا دلالة مثيرة:
أولاً.. وعلى نحو فجائي صدر قرار أميركي سبقه قرار مماثل من «صندوق النقد الدولي» بوقف المساعدات عن السودان.
ثانياً.. وقرب نهاية العام نشرت في الصحافة العربية سلسلة مقالات تحت عنوان «السودان والنفق المظلم»، بغرض فضح نظام نميري كنظام استبدادي فاسد، كانت المقالات بقلم د. منصور خالد. ومن يعرف سيرة د. منصور لن يجد عسراً في استيعاب المغزى.