كثيرة هي الصور المؤلمة التي تأتينا من الميدان التربوي، لكن لم يحدث ان تعاطفت شخصيا بل تألمت كما حدث مع صورة الطفلة يارا التلميذة في إحدى الرياض بأبوظبي التي دهستها حافلة مدرستها وحولتها إلى كتلة بشرية صغيرة لا تعي ما يدور حولها سوى آلامها التي لا تتوقف والعمليات الجراحية التي أجرتها والتي في انتظارها بعد أسابيع، حتى تتمكن من العودة، ولكن هيهات لذلك ان يتحقق على الأقل على المدى القريب.
فالصغيرة تعيش رعبا حقيقيا من الحافلة بل من كل ما يسير، ولا يعيد هدأة نفسها التي فقدتها سوى أحضان والديها اللذين يحاولان تخفيف ما حل بصغيرتهما ، وما آل إليه حالها وما ألم بجسدها النحيل ونفسها البريئة.
يارا وهذا هو اسمها الجميل علاوة على جمال وجهها الطفولي الذي فقد الكثير ، لم تكن تهدأ في البيت، بل كانت شعلة نشاط كانت تملأت البيت حياة بضحكاتها والأناشيد التي حفظتها في الروضة وأحيانا تردد السور والآيات القرآنية، تسمعها أمها فترد عليها بابتسامة وتأخذها في حضنها وهي تمتم بكلمات لم تكن تفهمها الصغيرة كانت أدعية صادقة إلى الخالق من قلب أم ليرعى ويحفظ ابنتها .
اليوم وبعد ما ألم بالصغيرة يارا ظهر يوم يعد فارقا في حياتها، حين نزلت تجري خلف أختها أمام الحافلة التي أنزلتها ومن غير أن يتأكد سائقها من مرورها بسلام ووصولها إلى الطرف الآخر تحركت ودهست جسدها وقلبها وكادت أن تنهي حياتها لولا صرخات الأخت الأخرى التي أوقفت مرور العجلة عليها، لكنها لم تتمكن من إيقاف آلام أختها وأحزان أسرتها.
توقفت الحافلة ومعها توقفت ضحكات يارا، لم تعد تتشاقى مع أختها ، ولم تعد تملأ البيت حركة، ولم تعد تلقي الكثير من الأسئلة على مسامع والدتها، لم تعد تغني كالعصافير ولا تغرد مثلها.
أصبحت عبارة عن جسد ملقى على سرير لا تقوى على مساعدة نفسها أو حتى قضاء حاجتها، كل ما تتمناه اليوم هو نسيان ما حدث لها، وأن تتخلص من آلامها وتزول الآثار التي تركتها عجلة الحافلة على وجنتها وبقايا الأسفلت على الوجنة الأخرى.
وقبل كل ذلك تخطي آلامها النفسية خاصة وقد أخلت مدرستها مسؤوليتها عما جرى وألقت باللائمة على أسرتها، ترى من يحمي الصغار في رحلة الذهاب والإياب إلى مدارسهم، وهل يستمر مسلسل فجع الأمهات والآباء بفقدان فلذات أكبادهم، يذهبون من أحضانهم، فيتعرضون لمثل هذه الحوادث الأليمة هكذا؟