في عام 1990 صار نيلسون مانديلا أول رئيس إفريقي من الأغلبية السوداء لجمهورية جنوب إفريقيا.
وهذا الأسبوع اجتمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع مانديلا في جوهانسبيرغ في سياق زيارة رسمية لهذه الدولة الإفريقية. مانديلا كما نعلم تقاعد عن الحكم بحكم السن ويعيش الآن كمواطن عادي.
لكن لا ندري ما إذا كان قد خطر على ذهن أبو مازن كيف انتصرت الحركة التحررية في جنوب إفريقيا بقيادة مانديلا وحزبه «المؤتمر الوطني الإفريقي» ذلك أنه إذا لم يخرج الزعيم الفلسطيني بقناعة مفادها أنه لا سبيل إلى التحرر من استعمار استيطاني إلا عن طريق الكفاح المسلح فإن زيارته تكون فاقدة لأي مغزى.
الحالة الفلسطينية مشابهة للحالة في جنوب إفريقيا: شعب يقيم آمناً على أرضه لمدى قرون متصلة يتعرض لعدوان شامل من تنظيم أجنبي مسلح كتمهيد لتدفقات بشرية أجنبية متتالية تستقر على الأرض المغتصبة بغرض الاستيطان الأبدي.
خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تدفقت جموع من المهاجرين الهولنديين والانجليز إلى جنوب إفريقيا تباعا كانت تستولي عنوة على أفضل الأراضي بعد طرد القبائل الأصلية الإفريقية عنها إما عن طريق الحرب أو توريط زعماء قبليين في عقود «بيع» مزورة.
تلك كانت البداية التي انطلق منها مشروع إقامة جمهورية جنوب إفريقيا الفيدرالية كدولة عنصرية بموجب دستورها الرسمي يحكمها المهاجرون الأوروبيون كأقلية بيضاء تتسلط على أغلبية السود الأفارقة.
ولاحقا قامت الدولة الإسرائيلية كصورة مصغرة لدولة جنوب إفريقيا: أقلية يهودية هنا.. وأقلية أوروبية هناك تفرض كل منها نفسها بقوة السلاح وبموجب قوانين علنية ورسمية للتمييز العنصري ضد الأغلبية الأصلية.
عبر تجارب قاسية تعلمت قيادات الحركة الوطنية للسود في جنوب إفريقيا أن من المستحيل تغيير مثل هذا الوضع عن طريق النضال السلمي لأن الأقلية الأجنبية المهاجرة أتت لتقيم إلى الأبد جيلا بعد جيل.
وهكذا اندلعت الثورة الإفريقية المسلحة بقيادة حزب «المؤتمر الوطني الإفريقي» بعد أن اكتشفت ان الاحتجاج السلمي لا يقود إلا إلى طريق مسدود.
ورغم أن الزعيم الرمز نيلسون مانديلا حكم عليه عام 1962 بالسجن مدى الحياة إلا أن من الثابت أنه كان يدير الحركة وراء القضبان. لهذا نعرف لماذا أطلقت زعامة الأقلية البيضاء الحاكمة سراح مانديلا في عام 1990.
لأنها توصلت إلى قناعة التفاوض والتنازل بعد ان بلغت الثورة المسلحة مداها فأرادت بالعفو عن رمز الثورة الأكبر ان تثبت مصداقية توجهها نحو صيغة لحل سلمي يستجيب لمطالب الأغلبية الإفريقية نحو إقامة دولة المساواة وقد كان.
الآن، عوضا عن الاستفادة من التجربة النضالية لشعب جنوب إفريقيا، فإن الرئيس الفلسطيني يريد من حكام جنوب إفريقيا ان يلعبوا دور «وساطة» في «عملية السلام» بين الفلسطينيين وإسرائيل.
إن مثل هذا الطلب يدخل في تصنيف المناشدة من موقع عجز. وأسلوب المناشدة لا يجدي مع استعمار استيطاني. هكذا تقول قصة جنوب إفريقيا. أما إذا كان الرئيس الفلسطيني يريد نموذجاً عربياً فليسأل عن قصة الجزائر مع الاستعمار الاستيطاني الفرنسي.