في يوم واحد، تنتهي قمة الخرطوم، ويفوز حزب كاديما في إسرائيل، وتؤدي حكومة حماس اليمين الدستورية، وتعلن واشنطن حظر الاتصالات معها، وتقترب الدول الخمس من التوصل إلى اتفاق بشأن المشروع النووي الإيراني، وكأن الأقدار التقت من أجل اظهار تباعد المسافات بين قرارات قمة الخرطوم وبين أحداث المنطقة وترابط هذه الأحداث مع التوجهات العالمية.
تابعت الجلسة الافتتاحية للقمة في الخرطوم، مستمعاً إلى الخطب الطويلة المتضمنة سرداً للأحزان والاخفاقات، وأبرز ما فيها استنهاض الهمة المالية للدول الخليجية التي يريد المتحدثون ممارسة العلاج النقدي للهموم، استمعت إلى حديث الرئيس بوتفليقة يتحدث بالطاقة التي رافقت عمله السياسي.
وإلى الرئيس السوداني الفريق البشير الذي لم يدخر شيئاً من مفردات الحماس والإثارة، والحزم والحسم، مع ربط بقيود المال الذي جاء مباشرة في خطابه بدعوة عاجلة للإغاثة في الجنوب وتقديم العون في دارفور.
واستثمار في السودان، ولم يتأخر رئيس السلطة الفلسطينية في مقارعة الآخرين في ممارسة التحفيز المالي مشدداً على الحالة الحرجة للخزينة الفلسطينية، وجاء الصدى الآخر من الصومال باحثاً عن العون، وبصوت أرق من لبنان، وانتهى المزاد السياسي في جلسته الأولى العلنية.
وأود ابداء الملاحظات التالية:
أولاً: كان المنتظر من القمة أن تعالج وتتعامل وتقتحم الملف الطويل المملوء بالقضايا الشائكة منذ مدة، وبصورة واضحة أو بشكل لا يترك مجالاً للتفسيرات وبنهج واقعي قابل للتنفيذ ويتصف بالمصداقية، لا سيما في قضية فلسطين التي رددت حولها قمة الخرطوم قرارات الماضي، بما فيها التأكيد على الالتزامات الدولية، ومبدأ الأرض مقابل السلام وخريطة الطريق.
وأعتقد أن القيادة الفلسطينية سواء في حماس أو في السلطة بحاجة ماسة ـ ليست فقط لدعم مادي، ولكن لموقف واضح وواقعي، لأن البديل الذي سنراه هو الحل المنفرد الذي سيتم في فلسطين مع صراخ وعويل وشكاوى وبيانات مفرطة في الحدة.
وأبرز النصائح بأن حماس فازت ضمن ترتيبات إقليمية ودولية، تفرض التزامات على من يتولى الشأن الفلسطيني بدلاً من الإشادة بعملية الانتخابات الديمقراطية وربط ذلك بدعوة المجتمع الدولي بمواصلة تقديم المنح والمساعدات الاقتصادية والمالية للسلطة الفلسطينية واحترام الاختيار الديمقراطي دون التأكيد على احترام الالتزامات التي منحت السلطة الفلسطينية القبول العالمي والدعم المادي.
ثانياً: ليس من المستحب في قمة عربية أن تظهر مناوشات بين رئيس الجمهورية اللبنانية وبين رئيس وزرائه وكان المفروض أن يحل لبنان مشكلة التمثيل بدلاً من إحراجات ومماحكات لا تعرفها دبلوماسية القمم، كان لبنان يمثل بوفدين ورئيسين، بينما فلسطين يمثلها رئيس السلطة الذي نجح في إبعاد رئيس وزرائه عن القمة، وأجاد الرئيس العراقي جلال الطلباني في قراره بعدم الحضور لأن حضوره سيزيد من مشكلات العراق.
وحضر القمة اثنا عشر زعيماً عربياً، بينما الأمل كان في حضور الأغلبية، ويعود سبب الغياب اللافت للنظر إلى الوضع الأمني واللوجستي في الخرطوم، فالجهود التي بذلتها حكومة السودان رغم سخائها، لم توفر الاطمئنان على سلامة بعض القادة الذين هم بحاجة إلى ترتيبات أمنية عالية بما فيها واقع السكن وقاعات المؤتمر وأسلوب التنقلات.
وربما من المفيد أن يعيد وزراء الخارجية النظر في آليات القمم العربية من دون داعٍ للتنقل إلى أماكن تفتقر إلى الأمن وإلى توفير التسهيلات الضرورية للقادة. وأعتقد أن اعتذار السعودية وإعادة القمة إلى مصر ينسجم مع التوجه العام ويريح الجميع المطلع على إمكانيات مصر وخبرتها في ترتيبات دبلوماسية القمم.
ثالثاً: لا أعتقد أن القمة تكسب المصداقية الدولية، إذا ما استمرت في أسلوبها في مجاملة الأطراف العربية التي تأتي بملفاتها الداخلية بحثاً عن مؤازرة بدلاً من تقديم النصح والمشورة العاقلة والحكيمة، ونرى ذلك في موضوع دارفور حيث عبّر الرئيس السوداني عن ارتياحه لقرار القمة مردداً أن السودان لم .
ولن يوافق على دخول قوات دولية إلى إقليم دارفور، الذي قرّر القادة تحمّل تكلفة قوات الاتحاد الإفريقي فيه لمدة ستة أشهر، رغم قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1663 الذي أشار إلى أن الوضع في السودان يشكِّل تهديداً للأمن والسلام العالميين.
وغير دارفور، تأتي الفقرة التي تطالب المجتمع الدولي بإعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من جميع أسلحة الدمار الشامل، وعلى نحو خاص الأسلحة النووية، من دون ذكر المشروع النووي الإيراني الذي شغل العالم في وكالة الطاقة النووية.
وفي مجلس الأمن منذ أشهر والذي لم تتوقف الاجتماعات والاتصالات الدولية حوله، وحيث تقترب الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن من الاتفاق على بيان يصدره مجلس الأمن ويحدد فيه موقف المجتمع الدولي.
ويصر وزير خارجية روسيا ايفانوف على نقد مماطلة إيران تجاه المبادرة الروسية لافتاً إلى أن وضع إيران يزداد صعوبة، بينما تتجاهل القمة العربية موضوع خطير سيقلب ميزان القوى في الخليج وسيثير الفتن والاضطراب.
وسبق أن أشار مجلس التعاون في بياناته إلى الوضع المعقد الذي سيخلقه البرنامج النووي الإيراني في الخليج، وطالب مجلس التعاون بإخلاء منطقة الخليج من الأسلحة النووية وذات الدمار الشامل.
وأعتقد بأن الوفود الخليج لم تثر الموضوع ـ كعادتها في الانسجام مع سلوكيات ودبلوماسية الأدب الجم التي تحرم الخليج من ممارسة دور يتفق مع مكانتها المرتفعة.
رابعا: نحن ندعو إلى ابتعاد القمم عن الاحراجات والمضايقات مثل تقديم مقترحات لا جدوى منها ولا تنال القبول، وبدلاً من ذلك ندعو إلى ملف مختصر وواضح ومباشر في معالجته للقضايا دون تقديم اطروحات على شكل المقترح الموسوعي الذي قدمه العقيد القذافي في القمة الماضية.
ولا نوافق على إدخال القمة في جدل مع الأمم المتحدة حول تابعية شبعا التي حددت الأمم المتحدة سوريتها، وليس في صالح مقام القمة أن تتورط في منازعات سياسية قانونية بين سوريا ومجلس الأمن، وبين بعض التوجهات اللبنانية المؤيدة لسوريا والأمين العام للأمم المتحدة الذي طلب سوريا أن تثبت بالوثائق لبنانية شبعا.
وقرأنا عن المشادة التي حصلت بين الرئيس اللبناني ورئيس وزرائه، حول شبعا وحول دور حزب الله الذي نال دعماً من القمة شجعه على تقديم نقد لاذع لرئيس الوزراء السنيورة.
من واجب المسؤولين في وزارات الخارجية وفي الجامعة العربية الاستفادة من ظاهرة الخرطوم، وإبعاد المثير والمسبب للخلافات، وضبط جدول الأعمال ضمن إطار واقعي.
ومازلت أقول بأن أولويات الجامعة هي ترسيخ مفاهيم المصالح والمنافع بين الدول العربية عبر التجارة والاستثمار وتشجيع القطاع الخاص والمبادرات، دون حاجة إلى البناء الديكوري الذي يبقى مثل الفيل الأبيض الذي يرهق الناس بالإعاشة دون جدوى منه.
كاتب كويتي