سألتني زميلة أعتز بها عما إذا كنت أشاهد التلفاز في أوقات الفراغ، فأجبتها بأنني مللت كل تلك البرامج المكررة، السطحية التافهة، المدبلجة والمترجمة، والتي لا تضيف إلى رصيدي الثقافي والمعرفي. نعم، هذا ما وصلت إليه قنواتنا العربية، فإما مسلسلات وأفلام إلى حد التخمة، أو برامج هابطة مستوردة ومترجمة للعربية لا تمت بأية صلة لثقافاتنا واتجاهات تفكيرنا.

متى سنفكر نحن العرب بإنتاج برامج موجهة إلينا، كشعوب أولا، ثم كأفراد؟ هل كل ما نتقن تقديمه- بعيدا عن البرامج السياسية- يصب في خانة الطبخ، والغناء، وعمليات التجميل؟

وليت حتى برامج الغناء كانت من إنتاجنا، بل هي مستوردة. لا أفهم، هل هو عجز من الجهات المعنية لإنتاج برامج هادفة وإبداع برامج جديدة تنبع من مجتمعنا وتوجه إليه؟ أم هو ذوق المستهلك الذي أصبح رخيصا؟

وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ينزل القائمون على برامج التلفاز إلى ذلك الذوق الرخيص للمستهلك، بدلا من الرقي بذوقه لما يريدون بثه من برامج راقية؟ أليس ذلك واجبا من واجبات جميع القنوات الفضائية؟ للأسف، تبث البرامج الهادفة على قنواتنا ببخل شديد وفي أوقات غير أوقات ذروة المشاهدة.

هناك من يدلو بدلوه بأن انخفاض سقف الحرية الإعلامية المتاحة للإعلاميين تؤثر سلبا على المخرجات الإعلامية بشكل عام. نعم نوافق على أن تقييد الحرية الإعلامية تجهض وتقمع وترفض الكثير من الأفكار الجديدة في طور التكوين.

ولكن، لم نر حتى من القنوات العربية الحرة، أو القنوات التي منحت حرية غير محدودة، برامج منتجة وموجهة للمجتمع العربي. وهنا نطلب من المسؤولين القائمين على أية وسيلة إعلامية عدم قمع الأفكار الجديدة مهما كانت بسيطة.

فعارض الأفكار يتأثر سلبا بذلك القمع، ويتوقف بعد فترة عن عرض أفكاره التي قد تحوي الكثير من الجديد والمبتكر. على المسؤولين تلقي تلك الأفكار بصدر رحب، ثم غربلتها وتنقيحها، لاختيار الأفكار الأفضل. كما أن على عارضي الأفكار عدم الاستهانة بأية فكرة جديدة قد تطرأ على بالهم، فلربما كانت الأفكار البسيطة من وجهة نظرهم تلقى الكثير من الترحيب من جانب آخر.

ما الذي نتوقعه نحن كمشاهدين من إعلامنا المرئي؟ نتوقع الكثير. نتوقع برامج هادفة للأطفال أولا، إنتاجها وإخراجها عربي 100%. نتوقع برامج تثقيفية ومعرفية وتعليمية للمراهقين، تشدهم إليها شدا لما فيها من إبداع وتسلية، وإثارة للفضول. نتوقع برامج أكثر احتراما لعقلية المشاهد البالغ، والتي تقوم بالارتقاء بجميع الفنون على حد سواء.

وتبث الحقائق المخفية خلف الأبواب الموصدة، وتبني الفكر المتفتح، وتعتني بالثقافة وتنشر رصيدا سخيا من المعلومات، وتنشر ثقافة التطوع الفردية والمؤسساتية لخدمة المجتمع.

كما نتوقع برامج تخدم المجتمع وتلقي مزيدا من الضوء على هموم الناس في الدولة بجميع فئاتهم، وتقوم بمساعدتهم معنويا عن طريق توفير المتخصصين كل في مجاله، وماديا عن طريق جمع التبرعات من أصحاب الأيادي البيضاء لمساعدتهم. نتوقع برامج تعرف الآخر بحقيقتنا كعرب وكمسلمين، بعيدا عن الصورة الكلاسيكية التقليدية التي رسخت في أذهانه عنا.

نتوقع برامج واقعية، ترينا محنة الإنسان في أي بقعة كان، سواء كان معذبا في معتقل غوانتانامو أو كان طفلا استبد به الجوع في الصومال، أو امرأة نهش جسدها البرد في باكستان، أو عجوزا بلا مأوى في نيو أورليانز، وذلك لرؤية الواقع الذي حل بالكرة الأرضية وترقيقا للقلب الذي حجرته البرامج التافهة وتركيزا للفكر الذي شتتته البرامج السطحية.

هنالك الكثير مما يستحق المشاهدة وهدر الوقت، ما إذا شاهده الإنسان شاب شعره، وعاف قلبه حتى اللقمة الموضوعة على مائدته، وذلك لمعاناة الأخ الإنسان أينما كان.

laila_badri@yahoo.com

.