لم تنشأ أزمة الحوار مع الغرب من فراغ، بل لها أسباب وجذور، تجعل أمام هذا الحوار دائماً عقبات، وغالباً ما تنشأ عن هذا الحوار المتعثر مفارقات، وقد أشرنا إلى هذا في مقال سابق انتهينا فيه إلى أننا إذا كنا نريد حواراً حقيقياً وصريحاً للثقافات، فلابد من التغلب على هذه العقبات، كما لابد من حلول جذرية لكل المفارقات التي تنشأ عن الحوار الذي يرجع غالباً إلى نقطة الصفر بأي خطأ أو مشكلة.
أول نقطة نظام في أي حوار للحضارات هي أن يقوم على احترام متبادل لخصوصية كل حضارة، فالحضارة الغربية لها خصوصية والحضارة العربية لها أيضاً خصوصيتها.
ولابد من أن يحترم العرب علمانية الغرب وخصوصية خبرته الحضارية ومشروع نهضته، كما عليه أن يحترم خصوصية الحضارات الأخرى التي يريد أن يدخل معها في حوار، مثل الحضارة الكونفوشية، والحضارة اليابانية، والحضارة الهندوسية، والحضارة الأرثوذكسية، وحضارة أميركا اللاتينية.. الخ.
وفي المقابل على الغرب أن يحترم الخصوصية الحضارية والهوية الثقافية للعرب والمسلمين، بل وأن يحترم كل الحضارات الأخرى في العالم، وليس هذا واجباً على العرب والغرب فقط بطبيعة الحال، بل واجب أيضاً على كل تلك الحضارات الأخرى، كل منها تجاه الأخرى.
ففي إطار حوار الحضارات يجب أن يحمل كل طرف قدراً كبيراً من الاحترام لهوية الآخر وتنوعه، لذلك علينا أن نساهم في تغيير طريقة تفكير الناس من أجل أن يتقبلوا فكرة التنوع ومن ثم يجب تغيير عقول وذهنيات أولئك الذين يعتقدون (لأننا مختلفون، يجب أن نكون أعداء)، فهذا غير صحيح، فهناك، الصالح والطالح في كل أسرة.
وهذه هي القضية الكبرى، ولا يتوقف الاحترام فقط عند مجرد النوايا الطيبة، والبيانات الصحافية، والمؤتمرات الكلامية، بل لابد من تقنين معايير أخلاقية وقانونية جديدة تنص على احترام المعتقدات الدينية وعدم التهكم على المقدسات والأنبياء، أو حتى العادات والتقاليد لشعوب العالم المختلفة.
ولا شك أن هذا التقنين يحتاج إلى جهد دولي وسياسي وقانون وثقافي طويل وواسع المدى، ويستلزم الدخول في جهاد فكري عميق مع بعض المفاهيم الثقافية الراسخة في الغرب.
والتي لا تضع أي قيود من أي نوع على العقل وشطحاته حتى لو مست المقدسات الدينية، على عكس كثير من المجتمعات والثقافات الأخرى وعلى رأسها المجتمعات الإسلامية والتي تضع قيوداً على حرية القول والعقل تمنع من المساس بالمقدسات الدينية.
ولن يكون حل هذه القضية بالعنف، فقد تم تجربة العنف في أزمات كثيرة وقد مارس هذا العنف الغرب والشرق معاً، ولم يسفر عن أي تقدم حقيقي، بل ان العنف يزيد المشكلات تعقيدا، ويسبب خسائر كبرى على الجانبين تدفع الشعوب فاتورتها الباهظة.
والحل من وجهة نظرنا متعدد ومتنوع الخطوات، ومن أهم هذه الخطوات فتح مسار جديد في مجال العلاقات الدولية والقانونية يقوم على احترام الخصوصيات الدينية والثقافية للشعوب، عن طريق تشريع قوانين وقواعد دولية جديدة تتبناها الأمم المتحدة ترفض المساس بالمقدسات الدينية لشعوب العالم المختلفة وتتبناها الدول كما تتبناها الأمم المتحدة.
وهي رحلة الألف ميل التي لن تبدأ إلا بمعرفة اللغة التي يفهمها الغرب في الثقافة والاقتصاد والسياسة، وفهم طبيعة المجتمعات الغربية وخصوصيتها الحضارية لاسيما ان القوة الآن في يد الدول الغربية، فهي ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية ـ التي تملك مركز القوى في الأمم المتحدة وسائر المؤسسات الدولية.
وفي سبيل حوار جاد بين الحضارات لابد من تغيير ذهنيات وعقليات بعض الافراد الذين يعتقدون بأن الاختلاف والتنوع تهديد للخصوصية، فمثل هذه العقليات خطرة للغاية، لأنها تشكل بدايات الحروب، فإذا نظرنا إلى أولئك الذين يختلفون عنا بأنهم هم أعداؤنا، فبالتأكيد فإن الخطوة التالية ستقودنا إلى الحرب والدمار وبالتالي إلى الضياع.
وفي المقابل ينبغي ان يقوم حوار الحضارات على الاعتقاد بأن الاختلاف والتنوع هما عنصرا نمو ورخاء، وليسا عنصري تهديد، ولابد من محاولة اقناع أولئك الذين يخافون من التنوع بأنه لا يوجد هناك ما يخافون منه، لأننا سننمو بشكل أفضل في حالة التنوع المصحوب بالحوار مع الآخر.
ومن ثم فإنه ينبغي على الدول ان تنظر إلى تنوعها ليس كتهديد، وإنما كأسلوب جديد لتقبل الآخرين، ولاشك ان تقبل تنوع الأديان له دور في هذا الصدد، فهناك عدة أديان في العالم، وقد ولدت الأديان في أماكن مختلفة من العالم فيجب الا نخاف من التنوع، لأنه لا يشكل تهديداً، وإنما يشكل عنصراً ايجابياً للعمل معاً من أجل المستقبل.
ولن يكتب لأي حوار النجاح دون ان يصحح الغرب فهمه العام بالنسبة للإسلام والمسلمين تحديداً، هذا الفهم الخاطئ الذي يتصور ان الإسلام ـ كما يردد كثير من المفكرين الغربيين.
وعلى رأسهم «صموئيل هنتنغتون» ـ يمثل الخطر الداهم للحضارة الغربية الآن ومن أسف فهناك الكثير في الغرب وخصوصاً اليمين المتطرف، الذين ينظرون الى الإسلام على انه تهديد، وهذه الرؤية تسود في الغرب منذ قرون سواء في المناهج التعليمية أو الإعلام أو مؤسسات صنع القرار.
إن الحضارة الغربية جاءت بقيم لهذا العصر، وقيم تفتخر بها البشرية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى غير ذلك من القيم، ولكنها نفذت هذه القيم بمبدأ واحد تركز عليه هو ازدواجية المعايير مع الآخر.
ان حوار الحضارات إذا أردنا له ان يوجد فلابد من ان يتخلص الغرب من تعصبه لحضارته، إذ عليه ان يدرك، ان هناك حضارات عظيمة مثل حضارته، وانه يوجد كثير من المشاكل ضمن الحضارة الغربية، ويجب ان يعرفها الجميع، لأننا عندما نعرف بعضنا بعضاً فإن ذلك سيساعدنا على المضي قدماً في نمو المجتمعات.
من جهة اخرى نجد ان الإسلام لا يعارض حوار الحضارات، ففي الإسلام هناك أساس للحوار بين الحضارات، وهو في قوله تعالى «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم»، فالإسلام يرحب بالحوار بين الحضارات، ويرى فيه قناة للتعارف والتقارب بين البشر.
ولاشك ان بإمكان المؤسسات الإسلامية ان تساهم في التواصل مع وسائل الإعلام في الغرب بشكل دوري، وهذا شئ مهم للغاية لان وسائل الإعلام في الغرب تلعب دوراً بالغ الأهمية.
وفي النهاية أياً كانت العوامل التي يتحتم توافرها لإنجاح الحوار بين الحضارات، والتي سوف نستقصيها في مقالات أخرى، يظل العامل الأساسي هو ان تدرك جميع الاطراف ضرورة الإيمان بالتنوع، وان التنوع بين الحضارات والأمم لا يشكل تهديداً، وعلى الجميع احترام هذا التنوع واحترام خصوصية كل حضارة وكل دين. هذا أهم شرط في حوار الحضارات!!
منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات