قرار مؤتمر الحوار اللبناني برفع جلساته إلى يوم 28 الجاري كان على ما يبدو، من باب «لم يكن بالإمكان أفضل مما كان». لم يعلن وصوله إلى الانسداد. في الوقت ذاته لم يؤشر إلى اقتراب الانفراج، لا فشل وانهيار ولا نجاح واختراق. ترك الآمال معلّقة. لكنه أبقى علامات الاستفهام مطروحة.
الواضح من ذلك أن الحوار، الذي بدأ يطاول قضايا خلافية جوهرية أو يقترب منها، دخل في حقل الألغام السريعة الانفجار. حِرصُ أهله على عدم المجازفة، فرض تأجيل السير فيه إلى موعد آخر. علّ الوقت أو الاتصالات أو التطورات والمبادرات، تساهم أو تساعد على توفير هامش للعبور السالم بين هذه الألغام. أو على تعطيل صواعق تفجيرها.
الأمر الذي اقتضى ترحيل المراوحة، التي بدأت تطل ملامحها في الجلسات الأخيرة. وفي ذلك خطوة تعكس الإقرار بالتعثر، بقدر ما تنطوي على الإصرار على متابعة الحوار. ولا بأس في ذلك. بل إنه قد يكون عين الصواب، في ظل الظروف والمعطيات القائمة والتي تضيق معها، وتنكمش مساحة الخيارات الأخرى.
بيد أن مسيرة هذا الحوار، حتى اللحظة، تركت قدراً من الانكماش في التوقعات. فهي انطلقت في ظل جدول وشعارات، رفعت من منسوب التفاؤل. لكن الحصيلة، بعد شهر، كانت دون الطموح الموعود.
بدأت على أساس استمرارها لمدة أسبوع إلى عشرة أيام، من غير إجازة أو انقطاع. كما بدأت في ظل شعار «ممنوع الفشل»، وأن الحوار هذه المرة هو محليّ صرف وتحت سقف إحدى المؤسسات الدستورية اللبنانية. لكن في الواقع، طارت الأجندة الزمنية واتسع مدى الفاصل بين الجلسات، كما بدأ يظهر أن الحاجة تتزايد إلى مبادرات وعمليات إنقاذ من خارج الطاولة المستديرة، ولو من الدائرة العربية.
وربما زاد من التعقيد ما شهدته يوم الخميس الماضي، الساحة السياسية اللبنانية، على خلفية ما حصل في قمة الخرطوم بين رأسي الوفد اللبناني.
صحيح ان المؤتمر لم يحقق، حتى الآن، «إصابات نظيفة» في المرمى. لكنه لم يرفع العلم الأبيض.
المباراة في استراحة. واستئنافها قريب. كما في الأفق تطورات، قد تعطيها شحنات من التزخيم. منها الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء اللبناني إلى دمشق. فإذا تحققت وتوفرت لها فرصة ترطيب الأجواء والبدء في العودة إلى مدّ الجسور، عندئذٍ، تكون المسيرة الوفاقية عند استئنافها، في وضع واعد أكثر من ذي قبل. فليس سراً أن معظم القضايا الشائكة تتصل معالجتها بمدى نجاح هذه الزيارة.
وما يشجع أن هناك مساعٍي وجهودا عربية مبذولة لإنجاحها. يضاف إلى ذلك أن المدة الفاصلة كافية، قبل العودة إلى الطاولة، لمراجعة الحسابات وإعادة النظر بالمواقف والخيارات.
لاسيما وأن أحداً من المتحاورين لا يبدو قادراً على تحمّل مسؤولية الفشل ولا هو راغب في ذلك. لكن بقدر ما «الفشل ممنوع»، بقدر ما ينبغي أن يكون النجاح مطلوبا. لا تكفي حماية الحوار من الإخفاق. المطلوب أن يؤتي الحوار ثماره، وإلاّ تحوّل إلى هدف بذاته.
وعند ذاك يصبح مصنعاً لإنتاج المزيد من الإحباط والمراوحة، التي لم يعد الوضع اللبناني قادراً على احتمالها. لقد حان الوقت ليفتح اللبنانيون باب الخلاص بأيديهم وعلّ 28 الجاري يكون بداية الإسراع في هذا الاتجاه.