القضايا العامة ملك للمجتمع، ليست حكراً على أحد، سواء كان فرداً أو مجموعة أو طائفة من الناس، حتى المسؤول، أو من يطلق عليه بجهة الاختصاص، يتوقف اختصاصهما إذا كانت القضية مرتبطة بشريحة كبيرة من شرائح المجتمع، وتؤثر عليه بالسلب، والإيجاب، هنا يكون من حق الجميع أن يتناقشوا ويتحاوروا، وان يعرفوا كل التفاصيل.
وفي إطار بحثنا في القوانين والمبادئ التي تحكم حرية الرأي والتعبير في العالم كله بهدف بلورة رؤيتنا المستقبلية لقوانيننا المحلية، لفت انتباهي مبدأ اعتبر في كثير من الديمقراطيات الغربية أساسا وطنيا لحرية الرأي، ليس لوسائل الإعلام فقط، بل للإفراد وفئات المجتمع المختلفة، وهو مكون من بضع كلمات.
ويقول »إن الجدل حول القضايا العامة يجب ألا يمنع، وأن يكون قويا وغير محدد«، بضع كلمات لا أكثر، تختصر المسافات، وتؤلف من كل كلمة فيها الكتب وتبنى التشريعات، وتصورت في لحظة تفاؤل أننا لو اعتمدنا هذا المبدأ فقط ضمن أي تشريع لكفانا.
إن الجدل حول القضايا العامة يجب ألا يمنع، وإذا لم يمنع ملك المواطن العادي حق مناقشة أي قضية تظهر فجأة في مجتمعه، وتمكن الصحافي من الحصول على المعلومات التي تتيح له طرح الظواهر الايجابية والسلبية على الرأي العام، وفتح حوار قابل لوجهات النظر المتوافقة والمتنافرة.
ومنحت مراكز الدراسات الحق في الخوض بالمعضلات الاجتماعية دون خوف أو تردد أو حياء، وتحركت مؤسسات المجتمع المدني لعقد الندوات وطرح الآراء دون ان تتهم بأي اتهام، وضع أولئك الذين تخصصوا في دفن الحقيقة من إهالة مزيد من التراب عليها، حتى تظهر جلية أمام الناس.
والجدل بعكس المفهوم السائد لدينا، يعني إثراء أي قضية عامة بمشاركة فئات متباينة المقاصد والأفكار، مختلفة في نوعية الطرح ونسبة الذكاء ودرجة التعليم والثقافة، يجمعها هدف واحد وهو الارتقاء بالمجتمع.
وعندما يكون الجدل قويا فهذا يعني أن الانتقائية والتخصصية في النقاش لا مكان لهما، فالقضية العامة شأن عام يهم الجميع، أما عدم محدودية الجدل فهذا يلغي شرط التمييز والتحيز في السماح أو المنع.
وبمعنى أوضح، فإن الجدل حول القضايا العامة بقوة ودون حدود يجعل كل مواطن ينتمي إلى المجتمع عنصرا فاعلا في مناقشة ما يؤرقه ويشغل باله، سواء في القضايا الآنية التي ترتبط بمعيشته أو تلك المستقبلية التي يطمح إليها للاطمئنان على استقرار وأمن وسلامة مجتمعه من أجل حياة أفضل لأولاده وأحفاده.
العالم يتطور، ونحن نتطور، ونظرة التعامل مع قضايانا العامة يجب أن تتطور في مواجهة من اعتادوا على التعمية.