فيما تتواصل المشاورات في اسرائيل لتكليف شخصية حزبية لتشكيل الحكومة الجديدة تبرز على نحو مواز المناورات والالاعيب الحزبية والسياسية والشخصية التي تستهدف تحقيق اكبر قدر من المكاسب والمناصب والامتيازات وبخاصة المالية، حتى لو كانت على حساب السلام ومستقبل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والذي كشفت انتخابات الكنيست الاخيرة أنه يحتل المرتبة الاولى في اهتمامات الاسرائيليين على الدرجة ذاتها التي يحتلها الموضوع الاجتماعي بدليل ما حققه حزب المتقاعدين من فوز غير متوقع وما حصل عليه حزب العمل بزعامة عمير بيرتس بعد ان كان هذا الحزب (العمل) قد دخل في طور الاحتضار جراء الهزائم المتلاحقة التي عصفت به منذ العام 1996 وبعد اغتيال اسحق رابين على يد متطرف اسرائيلي يرفض السلام ويؤمن باسطورة ارض اسرائيل الكاملة.
آن الاوان لأن يدرك قادة الاحزاب الاسرائيلية وفي مقدمتهم حزبا كاديما والعمل ان نظرية ارض اسرائيل الكاملة قد انتهت كما تنتهي الاساطير والخرافات التي حاول المتطرفون تسويقها وبخاصة مقولة ارض بلا شعب لشعب بلا ارض و«اكتشف» العالم ان في فلسطين التي قامت عليها دولة اسرائيل شعبا اصيلا وليس شعبا زائرا بات من حقه ان يقرر مصيره وان يقيم دولته المستقلة على ترابه الوطني وان يتحرر وينهي الاحتلال البغيض الذي جثم على صدره طوال اربعة عقود من الاذلال والمصادرة والتجويع والاستيطان والتهويد ومحاولات لا تنتهي من القمع والعدوان بهدف دفعه الى الرحيل عن بلاده والتخلي عن حقوقه.
من هنا يجدر بحزب كاديما أولا ان يتخلى عن تسويق نظريته المحكومة بالفشل والتي اطلق عليها خطة الانطواء او التجميع احادية الجانب ليس فقط لأنه لن يجد اي فلسطيني يقبل بها بل وايضا لأنها تؤسس لاستمرار العنف والمواجهات الدموية بدل ان تسهم في اقرار سلام عادل دائم وشامل مقبول للطرفين ويحفظ مصالح الشعبين وفق خريطة الطريق وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة اضافة الى مبادرة السلام العربية التي اقرتها قمة بيروت قبل اربع سنوات وكان جواب ارئيل شارون عليها هو اجتياح الضفة الغربية واعادة احتلالها والادعاء بانه لا يوجد شريك فلسطيني لاسرائيل في المفاوضات.
ثمة فرصة ما تزال متاحة أمام الاحزاب الاسرائيلية التي فازت في الانتخابات الاخيرة وبخاصة التي تؤيد التوصل الى السلام مع الفلسطينيين عبر المفاوضات للتمسك بأرائها والاستمرار على نهجها وعدم دعم أي ائتلاف حكومي إلا اذا قام برنامجه على هذا الخيار وبغير ذلك فإن كل الاقوال التي تقال الآن لا قيمة لها لأنها تعني ان المتطرفين وايضا الحلول احادية الجانب هم الذين يكتبون جدول الاعمال وليس معسكر السلام والمعتدلين.