سعدت مع الحشد الكبير من المثقفين البحرينيين والعرب والأجانب بالاستماع يوم 27 مارس الماضي إلى محاضرة السيد خاتمي «العالم الإسلامي بين الأمس واليوم .. مخاوف وآمال» في البحرين.

تبرز فكرة الحوار بين الحضارات كحاجة كلما نشبت أزمة كارثية بين الحضارات. فبعد كل مرة يحتد الوضع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تنتعش فكرة التعايش السلمي، وصولا إلى مؤتمر هلسنكي 1975 حول الأمن الأوروبي. وبعد حرب يونيو 1967 نشطت السعودية كأحد مراكز الحوار العالمي الإسلامي مع الأديان.

وبعد حرب أكتوبر 1973 واستخدام سلاح النفط تحرك الغرب لتنشيط فكرة الحوار بين «العالمين» الإسلامي والمسيحي فعقدت خلال عام 1974 وحده ندوات في باريس والفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي في جنيف والمجلس الأوروبي في ستراسبورغ. بعد هذه الأزمات توقف الحوار الجدي تقريبا.

ولما ظهر صموئيل هنتغنتون في عام 1993 بنظريته حول «صراع الحضارات» نشطت أوروبا الرسمية والشعبية في تنظيم عدة ندوات دولية حول حوار الحضارات. أما في الولايات المتحدة التي باركت حكومتها هنتغنتون فقد نشطت منظمات المجتمع المدني ومراكز الدراسات.

وفي العالم الإسلامي كان مثل هذا النشاط خجولا إلى أن فاز في انتخابات الرئاسة الإيرانية رجل الثقافة المفكر الكبير خاتمي. بادر على الفور إلى إنشاء مركز للحوار العالمي بين الحضارات في نيقوسيا وطهران.

وبقدر ما هزت أحداث سبتمبر 2001 الإرهابية في نيويورك وواشنطن العالم فإنها من جديد أعطت لفكرتي «صراع الحضارات» و«حوار الحضارات» زخما كبيرا، ووجدت دعوات خاتمي للأمم المتحدة لتبني حوار الحضارات أصداء عالمية أوسع.

ليس مستغربا أن تنطلق من إيران دعوة حوار الحضارات وترتبط بالتمسك بالاستقلالية في نفس الوقت. فمع الحضارة الفارسية ذات الألفيات الثلاث ظلت الثقافة الوطنية تلعب دورا مهماً في مسار التطورات في إيران.

ويمتلك الإيرانيون تجارب غنية من تفاعلهم مع الحضارات والتقاليد التي وقعت إيران على مفترق طرقها: الإغريقية، الهندية والتركية إلى جانب الفارسية ذاتها.

وقد كيف الشعب الإيراني كل هذا الثراء في صياغة ذاته عبر التاريخ. ومن الجانب الآخر أعطى تعاقب الاحتلال الأجنبي للاستقلال معنى خاصا لدى الإيرانيين، خصوصا في العقود الأخيرة. وكما ترى أستاذة جامعة كمبريدج د. نور حسيني أن أهم دوافع تأييد الجماهير للثورة الإيرانية كان الخوف من فقدان الاستقلال معتبرة الشاه عميلا للغرب.

لم تأخذ السياسة خاتمي بعيدا عن اهتماماته الفكرية. بعد سماعه لمحاضرة ألقاها خاتمي في بيلوروسيا عام 2004 ذكر أحد المواطنين أن أجمل ما سمعه قول خاتمي (إن رجل السياسة يجب أن يبقى تحت توجيه العالم). وبالفعل كان خاتمي مفكرا يسنده موقعه السياسي وليس العكس. إنه آية الله الذي كان يقرأ كانت وديكارت يوميا.

وفي هذا ما يميزه إيجابياً عن أكثر رجال الدين والسياسة على السواء. لكن هذه الشخصية الفذة هي إفراز كل تلك المتناقضات التي تركت بصماتها عليه. في منطلقاته الأساسية يصير خاتمي مثل كانت الذي من السهل ـ حسب لينين - تناوله بالنقد من جهة اليسار ومن جهة اليمين.

فمثلا، يرى خاتمي أن مصير المكانة الاجتماعية للدين سيعتمد دائما على القدرة على تجسيده بالشكل الذي لا يحد من الحرية، وأن الأفكار - الحضارة ـ هي وليد تطور حاجات البشر.

بعد ذلك يدعو إلى اعتبار الأفكار في التعامل مع الآخر، هي الأساس. وهو في الوقت نفسه يواجه «من اليسار» أولئك «المحافظين» الذين يستعظمون دور الأفكار ويدعون إلى تركيز السلطة في أيدي مرشد الثورة.

ولا يريدون إخراج إيران من عزلتها، ويدعون إلى سياسة محافظة في مجال الثقافة وفي العلاقات الاجتماعية. لكن هؤلاء ليسوا محافظين في مجال الاقتصاد. فهم يدعون إلى اقتصاد السوق على النمط الغربي. والسيد خاتمي إذ ينتقد ـ محقا ـ نزعة الاستبداد، لكنه لا ينتقد تركيزهم على المصالح المادية في سياساتهم الاقتصادية.

من جهة أخرى يرى خاتمي أن قيام العلاقات مع الغرب على أساس المصالح المادية هي مبعث الاستبداد من جانب الغرب الأقوى. أليس الأجدى هنا القول إنه لو أحسنت إدارة هذه العلاقات انطلاقا من وعي توازن المصالح المادية لخلق ذلك أجواء أفضل لتواصل الشعوب وتلاقح حضاراتها على أساس التكافؤ والاحترام.

ترى ألا يخفي انتقادنا للغرب المادي ذلك الجانب السلبي الذي أشار إليه تقرير ديدوديني المقدم إلى هيئة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عام 2003 بأن عودة الدول الأوروبية إلى لبس رداء المسيحية أصبح يشكل أحد مظاهر الولوج في صراع الحضارات ؟ ألا تفعل إدارة بوش الحالية الشيئ ذاته ؟

بعكس فوكوياما يرى خاتمي أن الحضارة الغربية لا تشكل نهاية التاريخ، وأضيف بأن التاريخ إنما سيبدأ من جديد. وحسب خاتمي «ما دام البشر موجوداً فان طريق الكمال مفتوح أمامه». ولعل ما يؤكد ذلك أنه في نفس يوم محاضرته الغنية كانت الوكالات تبث خبر تجربة الطائرة الأوروبية التي تفوق سرعة الصوت بسبعة أمثال.

ترى ألا يشكل تقارب الأماكن واختصار زمن انتقال المعلومة إلى الصفر وتوحد الأسواق ونظم المبادلات التجارية وغيرها أساسا قويا لصياغة حضارة إنسانية عامة ـ قابلة للتجدد هي الأخرى ـ تنعكس إيجابا على تطور أنماط التفكير والسلوك الاجتماعي والتعامل فيما بين كافة بني البشر وتخلق نظاما عالميا جديدا حقا ؟

كاتب بحريني