شبلي ملاط شاب لبناني وأستاذ جامعة وناشط في مجال حقوق الإنسان، وهو على المستوى الشخصي مثقف في العلاقات الدولية لا يشق له غبار.
وربما هو من ألمع المحامين في المسرح الدولي في تخصصه في القانون الدولي، من أشهر قضاياه منذ سنوات خلت رفعه قضية ضد أرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك في بروكسل واتهامه بالتسبب بمذبحة صبرا وشاتيلا.
وهي القضية التي أدخلت ملاط، حفيد شاعر الأرز الكبير المسمى باسمه والذي حرق الفرنسيون مطبعته عام، 1908 بسبب مواقفه الوطنية، إلى الحلبة الدولية، أما متابعته للقضايا الشائكة فقد تمثلت في احتضانه قضية الإمام موسى الصدر الذي اختفى في ظروف غامضة.
لأنه شاب لم يتجاوز الخمسين عاما.
ولأنه غير منتم إلى أي مجموعة سياسية بعينها في لبنان، يشكل هذان العاملان مكمن قوة المرشح برئاسة الجمهورية اللبنانية، وأيضا يشكلان منطقة الضعف في نفس الوقت.
احد الشخصيات الرئيسة في الداخل اللبناني التي تلعب دورا بارزا في اختيار رئيس الجمهورية اللبناني وهو البطرك مار نصر الله صفير، ومن شروط هذا الأخير أن يكون المرشح للرئاسة الجديد، شابا ومتعلما ويسلك في السياسة طريق الوسطية.
ولا يكون عسكريا، وقد فهمت هذه المواصفات في أوساط كثيرة أنها قد تشير إلى صديقنا شبلي ملاط، الذي نافس في استطلاع للرأي العام اجري أخيرا، العماد ميشيل عون القادم من المنفى الطويل وصاحب الشخصية الكاريزمية في الحياة السياسية اللبنانية والمرشح العلني للتيار الحر لسدة الرئاسة.
هذه المنافسة أعطت شبلي الكثير من الأمل في وسط سياسي متغير ومن الصعب رصد أمواجه العالية وتياراته الخفية.
لم يعد سرا في لبنان أو خارجها أن رئيس الجمهورية الحالي الرئيس إميل لحود قد أصبح عبئا على لبنان.
وعلى أصدقائه أيضا، خاصة بعد ما حصل في قمة الخرطوم التي تناطحت فيها رغبتان رغبة الأكثرية النيابية ممثلة برئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة وتمثيل ضعيف وغير مسنود من الطائفة التي يمثلها الرئيس لحود نفسه.
أما ما تم من فضيحة تلاسنية على الهواء بعد ذلك في مجلس الوزراء فقد جلبت للبنان تقديرا سلبيا ولساسته عباءة الخجل والاضطراب، فقد رفع وزير الداخلية دعوى على رئيس الجمهورية متهما إياه بتهديده بالقتل!
هذه المنطقة الخفيضة من الممارسة السياسية تعجل بأن يحصل لبنان على طاقم سياسي في القمة مختلف عما هو عليه، حيث أن هذه القيادة قد استنفذت أغراضها أمام الشارع قبل أن تكون قد استنفذتها أمام السياسيين.
الرائع في حملة شبلي ملاط هو أنه اخذ الأمر بجدية تحترم، حتى أصدقاءه القريبين لم يكن ليصدقوا عزمه على الترشيح لما يعتبر منصب تحوطه الاتفاقات الدولية والداخلية، إلا أن إصراره فاق كل توقع.
ولان كل ماروني تقريبا هو مرشح جدي للرئاسة اللبنانية! فقد اخذ ملاط على نفسه أن يكون المرشح الأكثر جدية والأكثر مثابرة، وهكذا بدا بأن شكل حملة للدعوة للرئاسة «على الطريقة الأميركية» .
كما عين لها رئيس حملة، وبدأ بعدد من النشاطات لجمع المال لهذه الحملة، حتى غدا أصدقاؤه الذين ترددوا في أخذه بالجدية الكاملة في البداية يهمسون أن شبلي ملاط قد يكون المرشح الأكثر جدية في سباق لم يعلن عنه بعد، رغم أن الجميع يعرف أن الباب مفتوح للرئاسة الأولى.
شبلي ينتمي إلى شباب ثورة الأرز أو الانتفاضة التي لحقت بشكل عارم مقتل الشهيد رفيق الحريري، وقد كان من جملة المنظمين والداعين لها، يتمتع بصلات دولية أوروبية وأميركية وفرنسية واسعة، كونه أستاذا في جامعة القديس يوسف وسط بيروت.
حيث يشرف على مركز الدراسات الأوروبية، وقد نظم عددا من اللقاءات السياسية مع الأوروبيين في الصيف الماضي في ذلك المركز، حضر كاتب هذه السطور احداها، وطرح وقتها برنامج العلاقة الأوروبية اللبنانية على بساط البحث الجدي.
صلاته العربية واسعة أيضا وحضر الكثير من اللقاءات العربية مع المهتمين بحقوق الإنسان وتطور الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، وله كتب في ذلك منشورة، ربما أهمها «الديمقراطية في أميركا» الذي نشرته «النهار»، وقدم له الكاتب الكبير غسان تويني.
في هذا الكتاب وضع شبلي ملاط قواعد العلم السياسي الجديد وزرع أفكاراً استعار لها جذور من الفكر الفلسفي والعملي الإسلامي والغربي.
ولعل ملاط يقنع القارئ بأهم مقولة في الديمقراطية منذ أن تجرع سمها سقراط حتى اغتيال جون كندي، أن لا ديمقراطية دون ديمقراطيين يؤمنون بها ويقبلون تطبيق شروطها على أنفسهم.
ذلك الكتاب الذي صدر بعد عام واحد من الاعتداءات على برجي نيويورك والبنتاجون، يسبر فيه شبلي بأناة الباحث المنقب تأثير ما سماه «المجتمع المدني الكوني» على التغيرات السياسية والاقتصادية الممكن حدوثها في القرن الواحد والعشرين في دول العالم الثالث.
إلا أن اهتمامات شبلي ملاط الأكاديمية، ابن وجدي ملاط أول رئيس لمحكمة دستورية في لبنان، لا تقف فقط هناك، فهو الماروني الذي اهتم بالفقه الإسلامي ونشر فيه خاصة من زواياه القانونية، دليل انفتاح ثقافي وبصيرة.
شبلي ملاط الذي لا ينتمي إلى أي من القبائل السياسية اللبنانية يمكن أن يقدم حتى في كونه مرشحا جديا للرئاسة، صورة للبنان التنافسي على قواعد تنتمي إلى القرن الواحد والعشرين، صورة المثقف والقانوني الضليع والملم بشكل واسع بكيفية سير هذا العالم الجديد، فهو كرئيس محتمل للبنان قد يقدم الصورة البديلة والمختلفة عن كل الرؤساء السابقين، .
ولعله أول من قدم برنامجا متكاملا لرؤيته للبنان الجديد من الاقتصاد حتى الشؤون البيئية، والذي وصفته مجلة نيوزويك الأميركية مؤخرا انه «الحالم الذي يمكن أن يحقق حلمه».
وربما يؤكد من عرفوه انه في حالة فوزه لن يستخدم كلمات الاستخفاف بالديمقراطية كالقول أن الأغلبية البرلمانية «أغلبية مؤقتة» أو «أغلبية وهمية» كما انه لن يرضخ إلا لما فيه مصلحة لبنان بكل ألوان الطيف التي يشكلها المجتمع اللبناني، كونه ممارسا مؤمنا بالحياة الديمقراطية التي تتيح للمؤسسات المنتخبة من الناس بأن تقوم بعملها دون تعطيل أو تحقير.
ترشيح ملاط لنفسه منذ ديسمبر العام الماضي جعله يتواصل مع قطاع واسع داخل لبنان وخارجه، ومهما كان تصور البعض حول ترشيحه، فان خطابه السياسي وحركته العامة لا يشبه لا في الشكل ولا في المضمون أي خطاب سياسي آخر.
كاتب كويتي