أميركا متشابكة مع دول المنطقة عسكرياً وسياسياً، والتفسير الأميركي أنها منطقة حيوية لأمنها واستراتيجيتها، لكن العامل المحرك هو أمن إسرائيل، حيث تم غزو العراق، وقبله لبنان بهدف جعل إسرائيل المحور الذي تدور عليه كل السياسات الأميركية..

فعند أول اختبار مع دبي في قضية الموانئ، ضاعت مبادئ الاقتصاد الحر والتبشير بالعولمة، وعند فوز حماس باقتراع حر وديمقراطي جاءت قطيعة الاتصال بها، وتزمع الآن شن هجمات مختارة على إيران بسبب مشروعها النووي،بنفس الوقت تدعو إلى تفكيك حزب الله..

في العراق بشائر الديموقراطية التي تحرسها مليشيات طائفية وحزبية مرشحة للفشل لأن تشكيل الحكومة جاء بسباق على المناصب أكثر من التمثيل النسبي لكل فئات المجتمع، وحالات القتل اليومي أصابت العراقيين بالصدمة، ووضعتهم في حالات حصار داخلي، وإقليمي، واحتلال عجز عن تأمين متطلباتهم الأمنية..

وزير خارجية بريطانيا ووزيرة خارجية أميركا في بغداد، والحكاية التي يدور عليها الجدل كيف تنجح مسيرة الديموقراطية؟، وتشييد أجهزة أمنية وعسكرية قادرة أن تكون بديلاً عن قوات الغزو، وربما تطل إيران على المشهد، ويُطلب حضورها كشريك في حل الفوضى السائدة في المدن العراقية، لتتحول المحادثات إلى صفقات تعيدنا إلى سيرة «سايكس - بيكو».

وهنا قد لا تدرك القوتان اللتان قامتا بغزو العراق، أن مؤشر الساعة تغير، وأن الأزمنة لا تعود إلى الخلف، إذ يمكن وضع تقديرات تنقلب إلى الضد، وخاصة في منطقة مريضة من العدوى التي نقلتها سياسات بريطانيا وأميركا، وكانت سبباً في عدم الاستقرار وانتشار الحروب والتطرف..

لا يوجد من يعترض على علاقات متساوية مع أي بلد بالعالم، وخاصة قوة عظمى كأمريكا، لكن أن تفشل، وتُفسر ذلك بجدلية مكاسب إزالة حكم ديكتاتوري، ليحل بديلاً عنه حكومات عراقية، أو أن تقدم على خلق حرب في إيران، وتُدخل المنطقة في أزمات أكثر خطورة، فإن هذه التصرفات تصبح مجالاً لعداء أكثر حدة..

السؤال لماذا دائماً حضور إسرائيل، واستبعاد دول المنطقة الرئيسية من التشاور مع أميركا وطرح مبادرات وحلول تساهم فيها الدول الأكثر التصاقاً بالأحداث؟ وهل تعمُّد هذا التجاهل أن القرارات تُفرض، ولا تُقدم كاستشارات،ثم عند حالات التورط، تأتي المساعي للدول العربية لكن بعد فوات الأوان، وهو ما يحدث الآن في لبنان بمحاولة (تعريب قضيته) بدلاً من تدويلها؟..

واقع العراق أكبر تحد، بعد فيتنام لأميركا، وحتى لو لم توجد منظومة شيوعية، أو إسلامية تواجهها أميركا في حربها الراهنة، فإن رهانها الطويل على فرض سيطرتها بالقوة، استدعى أن تحوّل دولاً حليفة لها في الأطلسي إلى متفرجة، وأخرى تنتظر أن يتسع التورط الأمريكي المكلف سياسياً واقتصادياً، لتستفيد من لحظة تاريخية تضع القوة الكبرى في ورطة أمام العالم بأسره..