في ملتقى القانونيين الأول الذي نظمته كلية القانون بجامعة قطر في 29/3/2006 تحت شعار «كيف نمدّ المجتمع بقانوني متميزّ؟ وبمشاركة ايجابية من مركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل القطرية.
وهو المركز المختص بتدريب القضاة وأعضاء النيابة العامة وتدريب أعوان القضاء وإعداد المؤهلين للقضاء والنيابة وتنمية البحث العلمي القانوني والقضائي والفقهي، وبعد أن فتح باب النقاش، قامت إحدى طالبات كلية القانون لتطرح تساؤلات عدة منها: إلى متى يبقى باب القضاء مغلقاً أمام الخريجة المؤهلة؟
لماذا تدرس الطالبة القانون إذا لم يكن من حقها ان تصل إلى الوظائف القضائية؟! ألا ينعكس هذا الحرمان بالسلب والإحباط على التحصيل العلمي للطالبة؟
وعادة لا تجد مثل هذه التساؤلات إجابات مقنعة، ولكن قيل إن النص التشريعي للسلطة القضائية، لا يحول دون تولية المرأة المناصب القضائية.. ولكن السؤال الأهم لماذا لم يُفعّل النص التشريعي بالنسبة للخريجة كما فُعّل بالنسبة إلى الخريج؟
تأتي هذه التساؤلات الحيوية والملحة في إطار الانفتاح الخليجي المتزايد وفي سياق التحولات المجتمعية المتسارعة والتي أفرزت تصاعداً في نسبة مشاركة المرأة الخليجية في حركة التنمية لتصل إلى ما نسبته 7% من المناصب القيادية في الخليج و هي مناصب كانت حكراً على الرجال وحدهم حتى عهد قريب.
فلماذا تُحرم الخريجة الخليجية المؤهلة من المناصب القضائية والوظائف المرتبطة بها رغم شدة الحاجة وتوافر الدواعي وكثرة الخريجات المؤهلات سواء من كليات القانون أو الشريعة اللاتي تزدحم بهن الساحة الخليجية؟
الاستعانة بالكفاءات والخبرات القضائية العربية، أمر حسن، ولكن «توطين» السلطة القضائية، أمر حيوي، وهو الشعار المعلن خليجياً.
الطالبة محقة في تساؤلاتها، وهي تساؤلات تتردد دائماً في أكثر من منتدى أو محفل خليجي ولا نكاد نعثر على إجابات منطقية.
كثيراً ما نسمع ان العادات والتقاليد والأعراف الخليجية هي التي تحول دون المرأة والقضاء ولكنها حجة بالية في عصر ومجتمع تتغير فيهما العادات تغيراً سريعاً وأين كانت العادات والتقاليد حينما أصبحت الخليجية وزيرة ومديرة للجامعة وسفيرة ووكيلة وزارة؟
وهناك من الفقهاء وبخاصة «السلفيين» من يرون في الشريعة مانعا وهم يقولون بأن تولية المرأة القضاء أمر مُحّرم. ولكن ذلك رأيهم وهو غير ملزم لنا لأن المعروف أن الفقهاء اختلفوا على رأيين، رأي الجمهور الذي لا يجوّز تولية المرأة القضاء ورأي فقهاء آخرين أجلاء يجيزون تولية المرأة القضاء.
ونحن يكفينا رأي الإمام ابن حزم مجدد الفقه الظاهري، استمع إليه يقول قبل ألف سنة في كتابه الموسوعة «المحلى» وجائز أن تلي المرأة الحكم ـ أي القضاء ـ فإن قيل: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة» قلنا: إنما قال ذلك رسول الله في الأمر العام الذي هو الخلافة» وبمثل قوله قال ابن القاسم من كبار فقهاء المالكية وابن جرير الطبري وهو من الأئمة المجتهدين.
فإذا اختلف الفقهاء في قضية، وكنا أمام رأيين، فعلينا أن نختار الرأي الأنسب لمجتمعاتنا وعصرنا، أما الجمود على رأي متشدد فليس من الفقه في شيء ولا يحقق المقاصد الشرعية ولا يفي باحتياجات المجتمع.
ولا مبرر للانغلاق ولا جدوى من الجمود على الأوضاع في عصر سقطت فيه الحواجز بين المجتمعات في حركة مد وجزرو انفتح الخليج فيه على العالم وتشابكت مصالحه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً كما لم يحصل من قبل.
هناك من يرى أن المرأة عاطفية لا تصلح للمناصب القضائية ولا تحسن الحكم وهذا أسير أوهام ومخاوف زائفة ولو تبصر ونظر حوله لوجد أن هناك الآلاف من القاضيات العربيات يمارسن القضاء فعلاً وواقعاً في (9) دول عربية من غير شكوى أو تخوف من عاطفة منحازة.
لو احتكم للواقع المشاهد وتخلص من تأثيرات الكتب التراثية لعلم أن نصف القضاة في المغرب من النساء، وثلث القضاة في الجزائر وتونس ولبنان، نساء، المرأة مثل الرجل خارج البيت في نطاق العمل، وعاطفة المرأة في بيتها لزوجها وأولادها وأقربائها، فإلى متى يستمر المجتمع الخليجي أسير المنطق الذكوري في ثقافته وفي تصوراته للمرأة؟
لا ينبغي للمجتمع الخليجي أن يحرم المرأة الخليجية المؤهلة من حقها الطبيعي والمشروع في ظل مناداته بحقوق الإنسان وحرصه على المواطنة الكاملة للرجل والمرأة!
لا يجوز للمجتمع الخليجي ان يستمر في تعطيل طاقات نصف المجتمع من العطاء والابداع!! لا يجوز للمجتمع الخليجي أن يستمر في نظرته غير الواثقة للمرأة وهو في القرن الواحد والعشرين ـ عصر حقوق الإنسان ـ وفقهاء عظام ـ منذ ألف سنة ـ قد أنصفوها!!
أزعم أن المرأة الخليجية لو مكّنت من وظائف القضاء وبخاصة في قضايا الأسرة والأطفال لاستطاعت أن تحدّ من معدلات الطلاق المرتفعة خليجياً.
ولنجحت بأكثر من القاضي الرجل في حلّ كثير من القضايا المعلّقة في الحضانة والنفقة، لو كانت المرأة هي القاضية لاستطاعت تخفيف معاناة المطلقات وجريهن في سبيل الحصول على حقوقهن الشرعية، لأنها أكثر قدرة على تفهّم طبيعة تلك المشاكل الأسرية.
أوردت «السياسة الكويتية» خبراً عن امرأة استمرت تركض بين المحاكم (16) عاماً للحصول على الطلاق، وقالت: سهيلة زين العابدين من جمعية حقوق الإنسان (إن بعض القضاة يتجاوزون أحكام الشريعة وهم ينظرون إلى المرأة نظرة دونية ولا يُصدّقونها بينما هم دائماً على استعداد لتصديق الرجل) 18/7/2005.
إن على جمعيات ولجان حقوق الإنسان الخليجية واجباً ومسؤولية في تفعيل النصوص التشريعية بتعيين المرأة في المناصب القضائية. ولعل «قطر» وهي الآن ترّوج لحقوق الإنسان في العالم العربي كما جاء في صحيفة ألمانية ـ الراية 25/3ـ تكون هي المبادرة لتفعيل ذلك النص المعطل بالنسبة للمرأة.
كاتب قطري