حروب العراق، المتناسلة عن بعضها والمتواصلة منذ وقوعه تحت الاحتلال، مريعة وباهظة الكلفة، معها وبها تحوّل البلد إلى شبه هيكل عظمي. لكنه بقي كوحدة متكاملة، ولو نازفة ورخوة المفاصل. الآن وتحت سقف الأزمة السياسية ـ الحكومية.

وخلف غبار التدهور الأمني المنفلت، تدور بين العراقيين بداية حرب، من شأنها لو تواصلت وتعذر وقفها؛ ان تقود العراق إلى اتون الحرب الأهلية المفتوحة والمدمرة وتهدّ المتبقي من كيانه من خلال التفريغ والفصل، المحكومين بالتفكيك لكيانه.

وهي تتمثل بعمليات التهجير والتطهير المذهبي والعرقي، الدائرة في المناطق المختلطة؛ والتي بدأت الأضواء تتسلط على مجرياتها بعدما قطعت شوطاً مثيراً للقلق على الرغم من أنها لم تتحول بعد إلى موجة عارمة.

منذ فترة والتقارير تشير إلى حالات من هذا النوع في بعض المدن والبلدان العراقية المختلطة. غير أن التعامل معها بقي في حدود اعتبارها أعمالاً فردية؛ ناتجة عن ردود فعل انتقامية عابرة. في الأسابيع الأخيرة تحولت إلى ظاهرة وبدأ الحديث في الصحافة العربية والأميركية يتكرر حولها، مع التصويب على حجمها المتزايد.

كما على ـ وهنا المؤشر الخطير ـ البدء بتجميع النازحين في مجمعات بعد توفير الخيام لهم! وحسب نيويورك تايمز وصل رقم المهجرين من بيوتهم ومناطقهم إلى حوالي 36 ألف عراقي؛ خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة.

ويحصل التهجير بصورة منتظمة، تحت وطأة التهديدات بالقتل والتصفية. والحملة المتبادلة، متواصلة؛ على ما يبدو. رافق أو سبق عملية الترحيل القسري للأقليات المذهبية والعرقية، من مناطق الأغلبية؛ حركة هجرة مكثفة للشباب أو للعائلات العراقية؛ إلى الخارج، وبالتحديد أصحاب الكفاءات منهم.

وإذا ما أضيف ذلك إلى ما كان قد تردد عن تصفية المئات من أساتذة الجامعات والعلماء؛ يكون العراق عندئذ قد دخل فعلاً في حالة من النزف البشري. تواكبها عملية فرز مذهبي طائفي واثني؛ تؤدي إلى نتائج كارثية.

والأنكى انه على الرغم من كآبة وسوداوية هذا المشهد والأخطار المحدقة التي ينطوي عليها؛ مازال الوضع السياسي المأزوم يراوح مكانه. بل يزداد تعقيداً وابتعاداً عن المخارج المطلوبة التي يحتاجها العراق في هذه اللحظات العصبية التي يعيشها. فقد مضى حوالي أربعة أشهر على الانتخابات، من دون أن يتم العثور على صيغة حكومية تحظى بالتوافق.

حرب الفيتوات والحصص مندلعة منذ ذلك الحين. وهي ازدادت في الآونة الأخيرة، حدة؛ مع إصرار كل طرف على التخندق في متراسه وعدم التزحزح. والبلد يغرق أكثر فأكثر في مستنقع العنف والتهجير؛ بل الاندفاع نحو نقطة اللارجعة.

فالانشقاقات بلغت مداها. والخوف الآن أن تفرض قوى الاحتلال تركيبة حكومية معينة، ـ هل جاءت رايس أمس إلى العراق بغير هذا الغرض؟ ـ، لتسليمها المهام الأمنية في المناطق المأهولة؛ فقط لأن الإدارة الأميركية مستعجلة على مثل هذه الخطوة، من الأساس كان مدخل أي انفراج في حكومة وحدة وطنية واسعة.

التحديات كبيرة بل هائلة. وإذا كانت هكذا صيغة هي بمثابة حاجة بالأمس فهي الآن بمثابة ضرورة لا بديل عنها؛ وإلا استمر النزف والهجرة والتهجير، فهل تحصل صحوة قبل خراب البصرة؟