تعاملت الكثير من دول العالم، ومنها ـ للأسف ـ دول عربية بفرحة شديدة وسعادة بالغة، مع فوز ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي بالوكالة وزعيم حزب «كاديما» في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية التي جرت في الثامن والعشرين من الشهر الماضي، حيث انهالت عليه التهاني وأغدقت عليه الدعوات لزيارة تلك الدول «وقتما يشاء» ووفقا لما تسمح به ظروفه.
والرسالة من وراء ذلك كله بالتأكيد، هو محاولة تصوير اولمرت، على انه رسول السلام الاسرائيلي المنتظر، الذي يحمل بين يديه «المعجزة» التي طال انتظارها، لإنهاء الصراع مع الفلسطينيين، ليتوقف من يتمتعون بالانسانية العالية.
والحس المرهف والضمير الحي اليقظ عن «النحيب» على معاناة والم هذا الشعب، الذي تتوغل في أجساد أبنائه يوميا، كل أدوات آلة القهر العسكرية الإسرائيلية.
لكن هذا الامر يحمل في طياته، اكبر مغالطة تاريخية على الإطلاق، إذ ان اولمرت ليس رسول السلام المنتظر، ولن يعيد الإرث المسروق إلى أصحابه، وإنما هو جاء ببرنامج سياسي «يجمل» به وجه الدولة العبرية.
و«يشرع» من خلاله الجريمة التي ارتكبت في عام 1967، عن طرق رسم حدود اسرائيل بشكل أحادي، بما يضم اليها الكثير من الاراضي والمستوطنات غير الشرعية، الأمر الذي يجعل من إقامة دولة فلسطينية حلما مستحيلا في المستقبل.
هذا التصور وذلك الفهم للمغزى الحقيقي لخطة اولمرت الخبيثة، ليس قاصراً فقط على الكثير من العرب، بل ان الكثير من المتابعين «الشرفاء» لملف الصراع العربي الاسرائيلي يعرفون ويفهمون ذلك بوضوح.
ومنهم جوناثان فريدلاند مراسل صحيفة «الغارديان» البريطانية في القدس، اذ رأى في موضوع نشره الأسبوع الماضي، ان هناك ثلاث مشكلات رئيسية لخطة الحل النهائي التي يريدها اولمرت، الأولى انها «تسعى إلى تجاهل الفلسطينيين كلية، فهي تهدف إلى إبعادهم عن الأنظار وراء سور عال حيث لا يضطر الإسرائيليون لرؤيتهم أو حتى مجرد التفكير فيهم».
والثانية هي ان «الانسحاب الذي يعد به أولمرت سيعني ترك بعض الأراضي، لكنه سيعني أيضا احتفاظ إسرائيل بالأراضي الباقية إن لم يكن ضمها.
وبالرغم من أن أناسا قليلين من ذوي المصداقية من الجانبين يقرون بأن بعضا من أكثر المناطق اليهودية كثافة استيطانية، والقريبة من حدود عام 1967، قد يتحتم في نهاية الأمر ان تكون جزءا من إسرائيل. لكن هذا يجب أن يحدث من خلال المفاوضات، وأن تعوض إسرائيل الفلسطينيين عن الأرض التي ستأخذها منهم بأن تعطيهم بعضاً من أراضيها».
أما الثالثة في أن «الحدود التي أعلنها أولمرت، وكما وضع الخطوط العريضة لها في الآونة الأخيرة سخيفة. ونظرة سريعة على الخريطة تظهر أنه إذا كان أولمرت يعتزم حقاً الاحتفاظ بمستوطنة ارييل فإن الحدود الدائمة الجديدة لإسرائيل ستشمل شريطاً ضيقاً من الأرض يتغلغل شرقاً داخل الأراضي الفلسطينية.
وإذا مضى أولمرت قدماً في ربط القدس المحتلة بمستوطنة معاليه أدوميم، فهو بذلك سيقسم الضفة الغربية إلى قسمين، شمالي وجنوبي، مما يجعل إقامة دولة فلسطينية أمرا يتعذر تحقيقه».
من هنا فإننا نعتقد، انه إذا كان الحال على هذا النحو، وبهذا الفهم المبسط الذي قدمه الصحافي البريطاني، فإن «الترحيب والتهليل» لفوز اولمرت، خاصة من جانب اطراف عربية، هو في غير محله على الإطلاق، لأن اولمرت لن يقم سوى بتشريع اغتصاب الارث المسروق إلى الأبد.
لذا ان الخطوة التي يجب اتباعها الآن هو التمسك بالقرار الذي اتخذته القمة العربية التي عقدت في الخرطوم مؤخراً، والذي أكد رفضه لفكرة الحل الاحادي وضروة الاستناد إلى قرارات الشرعية الدولية في حل النزاع.
وتصعيد الأمر بشكل جدي على الساحة الدولية، من اجل سد الابواب على اولمرت الذي يحاول التذرع بفوز حركة «حماس» في الانتخابات وتشكيلها الحكومة الحالية، من اجل تمرير خطته الجهنمية على اعتبار انه لايوجد شريك فلسطيني يتفاوض معه.
ان هذا الامر بالتأكيد الفرصة الاخيرة امام العرب، من اجل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا وليس مجرد كانتونات معزولة، لن تطفئ نار الصراع، بل ستشعل حرائق كثيرة في المنطقة، يصعب السيطرة عليها، لأن اتجاهات الريح تتغير يوميا.
وبشكل مفاجئ لا يمكن التنبؤ به، وبالتالي لا يقدر احد على حصرها في مكان واحد حتى لو استخدم كل ما لديه من قدرات ومهارات «إطفاء الحرائق».