عند تلبيته دعوة القمة العربية بالخرطوم في يومي 28 و29 من شهر مارس المنصرم طلب رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان أن يقدم محاضرة عن «تحالف الحضارات»، فقام مجلس التعايش الديني السوداني بتوجيه من اللجنة العليا للإعداد للقمة العربية بتنظيم المحاضرة في قاعة الصداقة مساء الاثنين 27 مارس المنصرم .

وشهدها جمهور غفير من القيادات الدينية والأكاديمية والدبلوماسية ومن رجال السياسة والإعلام. وكما قال الدكتور الطيب حاج عطية مازحا في تعقيبه على المحاضرة: أنت يا دولة الرئيس ثاني حاكم يأتينا من تركيا منذ محمد على باشا!

ولعل ذلك لب الموضوع الذي جذب الحضور أن يأتي للبلاد رئيس وزراء من تركيا ذو توجهات إسلامية بعد انقطاع طويل بين السودان والخلافة العثمانية ويحاضرهم عن حوار الحضارات.

وكان من الملفت أن يأتي للقمة العربية رئيس وزراء تركيا في حين تغيب عنها عدد من رؤساء الدول العربية رغم أهمية الملفات التي تذخر بها أجندة القمة. وقد حضر أردوغان بوفد يزيد على السبعين شخصا معظمهم من رجال الأعمال.

وقد ظلت العلاقات التجارية والاقتصادية متنامية بين السودان وتركيا منذ منتصف التسعينيات حين قررت حكومة الإنقاذ الاتجاه نحو آسيا بدلا من أوربا. ولكن يبدو أن اهتمامات أردوغان ليست اقتصادية بحته، فهو يريد لتركيا أن تلعب دورا سياسيا وربما حضاريا في محيطها الشرق أوسطى خاصة بين الدول العربية.

ولم لا وهى كانت حاكمة لمعظم الدول العربية لعدة قرون قبل زحف الاستعمار الأوروبي عليها في القرن التاسع عشر، وشكلت الخلافة العثمانية نصف تاريخ العالم الإسلامي حتى سقوطها في الربع الأول من القرن العشرين. وقد لا تمانع أميركا والدول الغربية في أن تقوم تركيا بمثل هذا الدور.

فقد يؤدى إلى صلة غير مباشرة بين العالم العربي وإسرائيل ويقدم نموذجا «معتدلا» للإسلام يتواكب مع الديمقراطية وحقوق الإنسان وتفعيل دور المرأة في المجتمع. ولكن من يدرى فقد تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن! فالمشترك الأساسي بين تركيا والعالم العربي هو الإسلام بشعائره وتاريخه وحضارته.

وقد يتمخض الدور التركي عن تقوية لرابطة الإسلام بين هذه الدول بأكثر مما يريدون، وبتقديم زعامة جديدة مؤهلة ومطلوبة للمنطقة التي تعانى من الحيرة والتشظي، وبتشكيل تكتل ثقافي واقتصادي وسياسي في المنطقة يكون هو في نهاية الأمر المهدد الأول للوجود الإسرائيلي!

خاطب أردوغان الحضور النوعي في قاعة الصداقة بلغة تركية لا يفهمها إلا من شهدها من المواطنين الأتراك، ولكن المترجم الذي صحبه كان متمكنا من العربية.

قصد المحاضر أن يقدم أطروحة مقابلة لنظرية صدام الحضارات التي جاء بها صمويل هنتنجتون في مقاله الشهير بمجلة «الشؤون الخارجية» الأمريكية في صيف عام 1993م وأحدث لغطا في الأوساط الأكاديمية والسياسية.

ورشح هنتنجتون في مقاله أن الصدام العالمي القادم سيكون بين الحضارة الغربية والإسلامية متحالفة مع الصين الكنفوشيوسية، واستشهد بتاريخ تركيا في تهديدها لأوروبا لثلاثة قرون امتدت من الرابع عشر إلى السابع عشر قبل أن تنهض أوروبا ويقوى عودها.

رفض المحاضر أن تكون الرسوم الكاريكتورية المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم في الجرائد الأوروبية والتي أحدثت ردة فعل واسعة في أنحاء العالم الإسلامي هي من باب حرية التعبير، ولكنها تعكس مشكلة أعمق تتمثل في ازدياد روح التعصب والتمييز العرقي مما ينذر بخطر كبير على العلاقات الدولية.

وقد برهنت الأزمة بصورة جلية على ضعف التفاهم المشترك والاحترام بين مختلف الثقافات والأديان وما يمكن أن يعنيه ذلك من إضعاف للسلم العالمي.

والعالم اليوم مواجه بمشكلات وتحديات كبيرة مثل تلوث البيئة والأوبئة الفتاكة وانتشار أسلحة الدمار الشامل والفقر والإرهاب والجريمة المنظمة وفقدان الحكم الراشد مما يؤثر على البشرية جمعاء ويقتضى التعاون على مستوى الكون أكثر من اي وقت مضى.

واستطرد بأن هناك تطورا خطيرا هو نمو الشعور المعادى للإسلام خاصة في المجتمعات الغربية، وقد ساهمت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة بإعطاء الانطباع بأن الإسلام دين ينزع نحو العنف ولا يتواءم مع الحياة المعاصرة، ونتج عن ذلك العديد من التطورات الخطيرة مثل القوانين المتحيزة ضد المسلمين في أمريكا وأوربا.

والإساءة للإسلام والمسلمين تحت دعوى حرية التعبير مما ينذر بظاهرة «إسلام فوبيا» تؤدى إلى انتشار عدم الثقة المتبادلة والشك بين أتباع الديانات.

ولا سبيل للتخلص من هذه الحالة المرضية إلا بتأسيس قنوات الاتصال والحوار بين الثقافات والحضارات ودعم ذلك بخطوات عملية. والحوار الأصيل يقوم بالاتفاق على قواعد مشتركة وبالانفتاح الذهني للاستماع والتعلم من الآخر.

وقال إن تركيا بالتعاون مع اسبانيا قامتا بطرح مبادرة للتحالف بين الحضارات بتفاهم مع الأمين العام للأمم المتحدة، تهدف المبادرة إلى تأسيس حوار عملي على المبادئ السابقة.

وبما أن تركيا عرفت بتراثها المتنوع في الأديان والثقافات فان القيام بمثل هذه المبادرة عريق في تاريخها، وقد دعت دول الاتحاد الأوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي الذين يمثلون أكثر من مليار نسمة إلى حوار في أعقاب أحداث سبتمبر 2001م.

وكان ذلك أكبر تجمع يناقش قضية العلاقة بين الحضارات في عالم اليوم. وقال ان مبادرتنا تجد حاليا تأييدا متزايدا من الدول المختلفة، ليس فقط لأنها جاءت في وقت مناسب .

ولكن لأنها تقوم على مفهوم متقدم يقول ان الأديان والثقافات لا تشكل تراتيب هرمية بعضها فوق بعض ولكنها جميعا ساهمت في تطور البشرية بقيمها وإبداعاتها.

وفى هذا الإطار نعتقد بأن مفاهيم الديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان وحكم القانون والحكم الراشد والتي يعتقد أنها قيم غربية، هي في الحقيقة عالمية المنشأ تمتد جذورها في معظم الثقافات بما فيها الثقافة الإسلامية، فهي ليست محتكرة لحضارة واحدة إنما هي نتاج متراكم للحكمة والوجدان البشرى عبر التاريخ.

وصحيح أنها لا تطبق بدرجة متساوية في كل البلاد أحيانا بحجة التقاليد والدين، ولذا فنحن في حاجة للتعمق في أصول ثقافاتنا لنكتشف الجذور المشتركة لهذه القيم ونسعى في تطويرها مع التسليم بحق الاختلاف بين الحضارات ليس عن طريق التسامح فقط ولكن عن الإيمان بالحفاظ على التنوع كقيمة في حد ذاتها.

وكشف أن تركيا واسبانيا قامتا بتكوين مجموعة من عشرين شخصية عالمية معروفة يمثلون ثقافات وحضارات وأقاليم مختلفة، وستقدم تلك المجموعة قبل نهاية هذا العام للأمم المتحدة خطة عمل متكاملة لتطوير الحوار الديني والثقافي بين الأمم. وقد عقدت هذه المجموعة اجتماعا مفيدا في نهاية الشهر الماضي بالدوحة.

وقد كان تحديد الشباب والمجموعات المهاجرة كأسبقية في ملتقيات الحوار واستغلال الإعلام والتعليم كوسائل للتوجيه خطوات في الطريق الصحيح.

وجدت أطروحة الرئيس رجب طيب أردوغان ترحيبا من الحاضرين وظهر ذلك جليا في تعقيبات د. عبد الله أحمد عبد الله ود. الطيب حاج عطية ود. غازي صلاح الدين ود. زكريا بشير، وكان أول المعقبين هو المستشار الإسباني جوان سانتوس أغوادو المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وتحدث مثمنا التعاون مع تركيا في تبنى المبادرة.

واعتذر عن عدم تمكن رئيس وزراء إسبانيا من عدم الحضور شخصيا لمؤتمر القمة العربي. وحال ضيق الوقت دون مداخلات أخرى كان يتطلع إليها كثير من الحاضرين.

كاتب سوداني