نستطيع أن نتفهم موقف دولة ما عندما تتنصل من تصريح لأحد وزرائها أو مسؤوليها، حفاظا على علاقاتها مع دولة أخرى، أو من باب المناورة السياسية المشروعة في عالم السياسة الذي تحكمه قواعد وأسس ومبادئ ليس بالضرورة أن تتفق مع الأخلاق والقيم العليا بقدر ما تقترب كثيرا من نصائح السياسي الإيطالي الشهير «ميكافيلي» لحاكم فلورنسا عندما وضع كتابه المعروف «الأمير» مستخلصا دروسه في فن السياسة من قراءة تاريخ إيطاليا التي كانت وقتها تعاني من التمزق بسبب صراع مدنها.
وهو يرى كل مدينة تشكل مشروع دولة في مشهد أفرز دويلات متناحرة تسعى كل واحدة منها إلى الصعود على حساب الأخرى، إضافة إلى ما كانت تتعرض له إيطاليا من غزو خارجي من قبل جيرانها لم يستطع حكامها آنذاك صده.
ولذلك بنى أحكامه على مجموعة من الحقائق استخلصها من تلك القراءة واعتبرها لصيقة بالطبيعة البشرية، قائلا إن الإنسان شرير بطبعه، ذو شهوات لا تنتهي ومطامح لا تقف عند حد.
وقد رأى في تحليله هذا لطبيعة النفس البشرية أن الناس بطبعهم مخاتلون وأنانيون. وتأسيسا على هذه الرؤية فإن الحاكم يحتاج إلى أن يكون أكثر خبثا منهم.
وعليه أن يجعل الناس تخافه أكثر مما تحبه، فخوف المحكومين من العقاب يجعلهم مطيعين له. كما أن على الحاكم من وجهة نظر«مكيافيلي» أن يتصف بالخداع والكذب وعدم الوفاء بالوعود.
وأن يسعى إلى تأليب منافسيه وأعدائه ضد بعضهم، وأن يكون له مستشارون يطلب منهم أن يقولوا له الحقيقة دون أن ينسى بين الحين والآخر أن يعاقبهم، أو يحط من قدرهم، أو يفاجئهم بأخبار سيئة. قبل أن يخلص إلى نظريته الشهيرة القائلة إن «الغاية تبرر الوسيلة».
كما نستطيع أن نتفهم موقف بعض الشركات من بعض مديريها وعمالها وموظفيها، واللجوء إلى إلغاء بعض قراراتهم، أو تعريض بعضهم للعقاب إذا تعارضت تصريحاتهم أو تصرفاتهم مع مصلحة الشركة، أو أساءت لمنتجها، أو تعرضت لفئة من فئات المجتمع بالإساءة، أو عرّضت مبيعاتها إلى خسائر من أي نوع.
وقد يصل الأمر إلى فصل من يتسبب في ذلك كما حدث ل «ريك روبنسون» أحد سائقي الشاحنات في شركة «كوكاكولا» بولاية كاليفورنيا الأميركية، عندما قامت الشركة بفصله من العمل لأنه تناول زجاجة من المشروب المنافس «بيبسي كولا» .
وهو يرتدي ملابس الشركة الرسمية أثناء فترة راحته داخل مقصورة الشاحنة بعد أن قام بتوصيل شحنة إلى أحد المتاجر بالولاية. وقد شاهده أحد الأشخاص فقام بإخبار شركته التي أبلغته أن ما قام به يعد مخالفا لسياسة الشركة المتعارف عليها.
ولم تشفع له خدمته التي امتدت اثني عشر عاما لم يتعرض خلالها لأي عقاب حيث ظل سجله نظيفا إلا من هذه الحادثة التي عدتها الشركة خطيئة كبرى وذنبا لا يغتفر فقامت بفصله.
ونستطيع أيضا أن نتفهم مواقف بعض الأفراد الذين يغيرون آراءهم ومواقفهم تجاه الكثير من القضايا كلما اتضحت لهم زاوية كانت خافية عليهم من قضية ما، أو تغيرت الظروف وظهرت حقائق لم تكن متوفرة عند اتخاذ تلك المواقف وتبني تلك الآراء، أو تغيرت أيديولوجياتهم فانتقلوا من معسكر إلى آخر مستبدلين أفكارهم بأخرى.
لكن الذي لا نستطيع أن نفهمه هو أن تقوم مؤسستان أكاديميتان كبيرتان في حجم ومكانة جامعتي «هارفارد» و «شيكاغو» الأميركيتين بسحب اسميهما من تقرير كتبه أستاذان جامعيان يدرّسان العلوم السياسية بهما،وإزالة شعاريهما من على غلاف التقرير،والتخلي عن الأستاذين، لا لسبب سوى أن التقرير انتقد اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأميركية.
وذلك بعد موجة احتجاجات تبناها قادة المنظمات اليهودية الأميركية الذين انتقدوا التقرير، وشنوا حملة على جامعتي «هارفارد« و«شيكاغو« لأن التقرير حمل اسمي الأستاذين اللذين يعملان فيهما.
كما انتقد التقرير أعضاء في الكونجرس، وقال عنه النائب الديمقراطي إليوت إنجلز: «لا يستحق هذا التقرير غير احتقار الشعب الأميركي له. هذا جزء من حملة معاداة السامية ومعاداة الصهيونية« مضيفا:
«إن أي شخص يكتب هذا التقرير يجب أن يحس بالخجل بالنظر إلى ما حدث في الهولوكوست». وانظم إلى قائمة منتقدي التقرير دينس روس، المبعوث السابق للرئيس الأميركي جورج بوش في الشرق الأوسط فقال إن المؤلفين «اعتمدا على مصادر تنحاز إلى وجهة نظرهما، وهذا عمل استعراضي وليس عملا أكاديميا«.
أما «آلان ديرشوفتش» أستاذ القانون في «هارفارد» فقد قال خلال مقابلة مع صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية إن« المؤلفين أكاديميان جادان، لكن هذه الورقة ليست إلا دعاية جاهلة»!
فما هي الجريمة التي اقترفها «د.ستيفن وولت» عميد مدرسة كنيدي للحكومة بجامعة هارفارد و«د.جون مير شايمر» أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو كي يتعرضا لكل هذا الهجوم وهذه الانتقادات.
وترتجف جامعتان عريقتان مثل هارفارد وشيكاغو من الآراء التي وردت في تقريرهما، وتعتبرهما وحدهما مسؤولين عن كل ما جاء فيه؟!
لقد تخطى المؤلفان الخطوط الحمراء غير المسموح بتجاوزها في الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بالنفوذ الصهيوني على الإدارة الأميركية، فأصدرا قبل أسابيع تقريرا بعنوان «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية».
وقد فصل التقرير الذي يقع في 83 صفحة خلفية ما أطلق عليه «معاملات خاصة لإسرائيل منذ تأسيسها» و «تناقضات سياستنا الأميركية نحو دول أخرى، حتى دول الناتو» وأشار إلى «تناقض القول بأننا وإسرائيل نشترك في مواجهة الإرهاب، ويعتبر تحالفنا مع إسرائيل سببا رئيسيا للإرهاب الذي نواجهه وليس العكس».
وانتقد التقرير «حملة اللوبي الإسرائيلي الحالية لتغيير النظام في كل من إيران وسوريا». وقال إن الحملة «ربما تقود إلى هجوم أميركي على الدولتين تكون نتائجه كارثية، ونحن لا نريد عراقا آخر».
وهكذا جاءت مبادرة جامعتي «هارفارد» و«شيكاغو» بسحب اسميهما من التقرير وإعلان براءتهما منه ومن كاتبيه لتؤكد أن كل ما جاء فيه صحيح وواقع، وشكل موقف الجامعتين أكبر دليل على نفوذ اللوبي الإسرائيلي وسيطرته، ليس على مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة فقط.
وإنما على مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والأفراد أيضا، إلى الدرجة التي لم يعد معها بإمكان باحث أكاديمي أن يصدر دراسة موثقة بالأدلة والأرقام ، محطما هذا «التابو» ومخترقا اللوبي الإسرائيلي الذي غدا يشكل إرهابا أكبر من ذلك الإرهاب الذي تدعي الإدارة الأميركية أنها تشن كل هذه الحروب من أجل القضاء عليه، حتى غدت أكثر المؤسسات التعليمية احتراما في الولايات المتحدة تحسب له ألف حساب.
وتبحث لنفسها عن البراءة من بحث لم يعرض أكثر من الحقائق التي نشاهدها كل يوم على أرض الواقع، وتثبتها المواقف الرسمية المؤيدة لإسرائيل وكل ما تقوم به في كل محفل.
وليسمح لنا نائب الرئيس الأميركي «ديك تشيني» بالاختلاف معه حينما يعتقد «أن الإسرائيليين موجودون في الخطوط الأمامية في معركة الإرهاب منذ عقود» كما يقول، لأننا نعتقد أنهم أول من يمارس أشد أنواع الإرهاب على الأصدقاء قبل الأعداء.
وفي حكاية الأستاذين الجامعيين وموقف جامعتي «هارفارد» و «شيكاغو» من تقريرهما خير شاهد على ما نقول لا ما ندّعي.
* كاتب إماراتي