النقاشات «الدستورية» حول الصلاحيات، صلاحيات المناصب الرئاسية والمؤسسات وتنظيم العلاقات فيما بينها وأوزان الوزارات والانسدادات والتوترات الحاصلة تحت عنوان البحث عن إحداث توازن في السلطات.

نموذج عن ذلك الحوار تأسيس المجلس السياسي للأمن الوطني وصلاحياته «الاستشارية» والتطمينية ولعبة الفيتوات المتبادلة التي تؤخر كلها تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، كل ذلك بمثابة غصن الشجرة الذي لا يخفي الغابة. غابة الحرب الأهلية الطائفية السياسية والعنفية الدائرة والتي تزداد عنفاً وتهجيراً وتطهيراً مناطقياً كل يوم.

فالرؤية المستقبلية طائفية ومذهبية وكذلك خطاب التعبئة السياسية وطبيعة القتل والاقتتال الدائر. الاعتراف بهذه الحقيقة المرة جداً بعيد عن اللياقات الكلامية والمناشدات العامة واعتماد «الكلام الصحيح» سياسياً، شرط لا بل الشرط الضروري للبدء بمعالجة جذرية لهذا الوضع.

وإلا استمرت السياسات العراقية في لعبة تربيع الدوائر والهروب إلى الأمام، الاعتراف ولو بمرارة بما وصل إليه الجسم السياسي العراقي وطبيعة النخب الجديدة المسيطرة والتهميش الحاصل كلياً لكل خطاب «عراقي»، خارج خطاب الولاءات الأولية، ما دون الوطنية والعابرة للوطنية.

لا يعني تأييد التمذهب السياسي والاجتماعي أو اعتبار ما هو حاصل بمثابة قدر العراق الذي يستحيل تغييره ولو أن هناك صعوبة متزايدة في التغيير .

وأن عنصر الوقت وازدياد حجم وعمق الذاكرة الجريحة عند كل طرف ليس لمصلحة التغيير، طالما استمرت الراديكالية سيدة الموقف، الراديكالية القائمة على الانقطاع عن الآخر والخوف منه الذي هو سمة الوضع المجتمعي السياسي العراقي الراهن.

واشنطن الرسمية تعترف ولو بشكل غير مباشر من خلال إعادة تصويب المسار «الطائفي» من جهة والتراجع عن أهداف معينة كبيرة من جهة أخرى مثل الديمقراطية التي لا يمكن أن يؤسس لها إلا ضمن دولة قائمة مستقرة وليس خارج مفهوم الدولة وقبل بناء الدولة، دولة القانون والأمن والأمان.

تبقى خطواتها مجتزأة ولم تعد كافية، محاولة أخذ من كيس طرف لمصلحة طرف آخر، طالما استمر المنطق ذاته تحت سقف العملية السياسية القائمة في أولوياتها المعكوسة أساساً، للتذكير فقط، حيث تقام السلطات وبعدها تجري المصالحة الوطنية.

واشنطن وطهران المتصادمتان في استراتيجياتهما الكبيرة في الشرق الأوسط وفي قضايا ومسائل المنطقة تحاولان الدخول في «حوار» أو «محادثات» أو «مفاوضات» حول العراق وبالطبع لكل مفهوم من هذه المفاهيم معان يحملها .

وأبعاد يوحي بها وتساؤلات حول التفاهمات الممكنة بشأن العراق في ظل الحرب النووية بينهما من جهة والتفاهمات الصامتة التي كانت قائمة من جهة أخرى حول العراق وقبلها حول أفغانستان وإمكانية البناء عليها.

واشنطن التي حررت طهران من حصار مزدوج في أفغانستان والعراق والاثنين يخسران بقوة من احتمال خروج أميركي مفاجئ من العراق، يخسران ولو لأسباب متناقضة.

فهذه هي طبيعة الجغرافيا السياسية أحياناً لتصادم ولتلاقي المصالح. والعرب الذين يزداد قلقهم من حريق العراق ما زالوا بانتظار مؤتمر الوفاق العراقي الذي تأجل إلى شهر يونيو المقبل باعتبار أن انعقاده «رسمياً» مرتبط بتشكيل الحكومة .

وفعلياً بنتائج التوافق العراقي «من فوق» قبل البحث في التوافق «من تحت»، إنه منطق وضع العربة أمام الحصان. المنطق الذي أوصل العراق إلى ما هو عليه حالياً.

العرب ما زالوا مع الخطوات الصغيرة الخجولة والمتفرقة، مع التضامن الخطابي العقائدي تجاه العراق، خائفين من الدور الإيراني وتداعياته في العراق وحول العراق على المنطقة.

وغير قادرين على إغضاب واشنطن وغير قادرين في الوقت ذاته على أن «يلعبوا على ملعبها» في العراق من خلال إرسال قوات ولو رمزية لشرعنة الدور الأميركي. فالعراق قضية داخلية في كل بلد عربي على صعيد الشرعية الشعبية والمزاج الشعبي .

ومن الصعب الاصطدام مع هذه الشرعية وذلك المزاج عبر سياسة لا توفر إلا الدخول في المجهول. وإيران بأخطاء الآخرين وخطاياهم وجدت الفرصة التاريخية لتحقيق أهدافها وأحلامها الوطنية الاستراتيجية ولو تحت عناوين عقائدية جذابة وواسعة.

أما تركيا فتترقب بحذر تطور الوضع الكردي، مقيدة بوعد دخولها إلى الجنة الأوروبية، وانعكاسات الوضع العراقي على الوضع الكردي مع تزايد احتمال تطور دولة الواقع الكردية إلى دولة فعلية ورسمية في آخر المطاف.

بقدر ما انه من المفيد إحياء صيغة دول الجوار لمحاصرة النار العراقية، بقدر ما أنه من الضروري جداً وبشكل سريع إحياء صيغة مؤتمر شرم الشيخ، مؤتمر اكتوبر 2004، المؤتمر العربي الإقليمي الدولي لتوجيه رسالة واحدة إلى العراقيين .

ولكن على أساس وفاق الحد الأدنى العملي الممكن حول العراق باعتبار أن نار العراق قد تطال الجميع مباشرة أو في مصالحهم ولو في أوقات مختلفة.

رسالة داعمة عملياً وفعلياً لكل خطوات وإجراءات سياسية ومؤسسية تساهم في خلق مساحة سياسية غير طائفية في العراق وتعزز الوضع غير الطائفي المهمش أساساً في العراق. فبناء الدولة العراقية ومؤسساتها لا يمكن أن يتم في وطن يجري تفكيكه بواسطة أهله وبرعاية دولية.

عراق متجه لأن يصبح كونفدرالية دول الأمر الواقع ولو بقيت الدولة الوطنية قائمة على المستوى الرسمي الصوري. عراق من هذا النوع يؤسس لحروب بينه وبين الآخرين إلى جانب حروبه الخاصة.

كاتب لبناني