قبل حصار طروادة كانت القلاع المحصنة تقصف من خارج الأبراج بالمنجنيقات حتى تنهار الأسوار، ويقهر المحاصرون المحاصرين في وضح النهار.

وفي حصار طروادة الذي استمر عشر سنوات من سنة 1194 إلى سنة 1184 قبل الميلاد، ابتكر الغرب الأوروبي في عدوانه على الشرق الآسيوي الحصان الخشبي الذي خرج من بطنه جرذان اليونان لكي ينقبوا أبواب طروادة من داخل المدينة لا من خارجها، وكان سلاحهم فيما ابتكروا المكر لا الكر، والغدر لا القهر، ففتحت المدينة.

وأصبح فتحها في نظر الآسيويين رمزاً للغفلة المهلكة، وفي نظر الأوروبيين رمزاً للكيد المبيت، حتى ان هوميروس جعل هذا الغدر قمة الفخر بالنصر، وراح يتغنى به في إلياذته المشهورة.

واليوم ظهر أسلوب ثالث لنقب القلاع، لا يعتمد على رمي الأسوار بالحجارة، ولا على اندساس الأعداء بين المواطنين الآمنين لمباغتتهم وهم نيام بفتح الأبواب من داخل المدن المحاصرة، وإنما يستند إلى اقناع فئة غافلة من سكان المدن المحاضرة بأن يفتحوا الأبواب للأغراب، وبأن يهملوا الدفاع عن القلاع حتى تنهار بلا حرب معلنة تخاض، وبلا مقاومة سرية تنظم.

واللغة العربية الفصحى هي قلعتنا الأخيرة المحاصرة، والمهددة بالسقوط وأبناؤها الطيبون الغافلون عن مكانتها وخصائصها، وتفوقها وعراقتها هم الجند المجندون لتحطيم أسوارها، وفتح أبوابها أمام الغزاة.

وحينئذ سيظهر في الغرب هوميروس آخر يتغنى بالياذة أخرى، ويظهر في الشرق حافظ إبراهيم آخر، يبكي على اللغة العربية بقصيدة تائية أخرى، ثم يتداعى أهل الخير إلى تشييع الفصحى.

ودفنها في مقبرة اللغات ـ لا قدر الله ـ كما شيعت من قبل الأكادية والفينيقية والكنعانية والهيروغليفية، ولم يبق منهن جميعا إلا نقوش على صخور القبور، لا يفسر طلسماتها إلا علماء الآثار من طبقة شامبليون الفرنسي وإنوليتمان الألماني.

قد يسألني القارئ، فيقول: ما الذي أثار فيك هذه الخواطر المؤرقة، واللغة العربية ما برحت لغة العرب من المحيط إلى الخليج؟ وأي خطر يهدد هذه اللغة إذا كانت تتحصن بقلاع العلم والتعليم والإعلام، وتتردد أصداؤها صباح مساء في الصحف والمجلات وقنوات الفضاء وعلى منابر المساجد؟

وأين طروادتها المحاصرة، وجدرانها المنقوبة في زمان ازدهرت فيه مجامع اللغة العربية التي تحمي لغة الضاد، وتحرسها من الهجنة والعجمة والاختلاط؟

في الإجابة عن هذه الأسئلة أقول: إن هذه المؤسسات والمعاهد الرسمية، على جلال شأنها، تعيش غريبة بين ظهرانينا، محاصرة بأمواج كالجبال، غواربها أعلى من غوارب تسونامي في أندونيسيا، وانسياحها أمد من انسياح كاترينا في لويزيانا، وهي تطغى علينا من كل جانب ويلقي طغيانها علينا سيولاً من الغثاء والهراء، تفسد ألسنتنا، وتهدد فصاحتنا في ميادين الحياة الواقعية.

وليس مما يبشر بالخير أن تبقى الفصحى محاصرة في الميادين الثقافية الرسمية، وإنما عليها أن تكسر الحصار، وأن تخرج إلى الحياة، وأن تغدو اللغة المتداولة في الشركات والأسواق والمحافل والمعارض.

بالأمس تلقيت رسالة من شركة عربية مرموقة، تدعوني إلى أن أسهم فيها. وهذه الشركة تفخر بأنها أجرت في ميدان التعمير عشرة مليارات من الدولارات بغية المساهمة في بناء الوطن الذي أحبه أكثر مما أحب نفسي، وأغار عليه كما أغار على عرضي.

وتطلب إليّ أن أحظى بنصيب من شرف المشاركة في البناء والإنشاء، والنهوض بالبلاد. كان ذلك حسناً لا غبار عليه، وجهداً ميموناً لا أقابله إلا بالقبول، ولا أتلقاه إلا بالتقدير.

غير أن الذي أثار فيّ ما أثار وحرك من كوامني ما حرك هو أن الرسالة كتبت بالحرف اللاتيني، واللسان الإنجليزي، والعبارات الملتوية، والأسلوب الدخيل، فعجبت غاية العجب.

ورحت أتساءل، والقصد من تساؤلي أن ألتمس لكاتب الرسالة العذر الشافع، والتعليل المقنع، فقلت: قد تكون هذه الشركة فرعاً من شركة إنجليزية أو أميركية، ومن واجب الفرع أن يلتزم لغة الأصل لئلا يخالف من يحالف.

بعد التحقيق والتدقيق تبين لي أن الشركة عربية الأصول والفروع: رجالاً وأموالاً، وبنياناً ولساناً، ووطناً وسكناً، وأن القائمين عليها عرب أقحاح، طينتهم طينتي،.

وأرومتهم أرومتي، وملتهم ملتي، ليس فيهم أسترالي تربطه بلغة شكسبير رابطة الكومنولث ولا إنغليكاني تشده إلى كنتربري واشجة المذهب، فقلت:

فيم إذن إيثار اللكنة والهجنة على العراقة والفصاحة؟ وما الدّاعي إلى تحريك الألسنة بأصوات تمجها الأسماع؟ أهو الإحساس بالنقص أمام من يدعون الكمال؟ أم هو التزلف بالتكلف لمن ينادون بالعولمة؟

وإمعاناً في البحث عن مسوغات، أتغمد بها هفوات الرسالة والمرسل رجعت إلى قوانين الاقتصاد أراجعها وأطالعها، فما وجدت نصاً يلزم شركة عربية أن تكتب بالإنجليزية، ثم قلت:

لعل هذه الشركة تريد أن تحاكي دول السوق الأوروبية التي قدمت الوحدة على الفرقة، والائتلاف على الاختلاف، وتريد أن تواكب ركب الحضارة، فاستعارت اللسان الأجنبي لئلا يكون صوتها ناشزاً بين دول تتكلم الإنجليزية.

سألت عما أجهل، فقيل لي: إن دول هذه السوق من كبراها إلى صغراها ترفض أشد الرفض أن تتنازل عن ألسنتها، وإنها لا تخاطب شعوبها بكلمة مقروءة أو مسموعة إلا بلغاتها القومية، وان هذه القاعدة المطردة تنطبق على لوكسمبورغ انطباقها على ألمانيا.

وتتبع في سويسرا كما تتبع في فرنسا، فأخذتني الدهشة مرة أخرى، ووجدتني عاجزاً عن أن أتصيد حجة واحدة أعلل بها إعراض هذه الشركة عن العربية إلى الإنجليزية.

وقبل أن أظلم الشركة بحكمٍ مرتجل استفتيت أهل الذكر متوهماً أن العربية في مضمار التجارة والاقتصاد عاجزة عن التعبير فأفتاني من استفتيت بأن الجامعات السورية منذ خمسة وثمانين عاماً إلى يومنا هذا كانت وما زالت تعلم التجارة والطب والصيدلة والهندسة بالعربية، فقلت: إذا كانت العربية قد ارتقت إلى هذا الرقي، وأثرت هذا الثراء، فما سر البلاء!

السر أننا أهملنا لغتنا وآثرنا عليها سواها عامدين، وان قوة هذه اللغة نشرتها بالتجارة لا بالسلاح في آسيا الوسطى وأندونيسيا، وأنها من قصور أهلها وتقصيرهم براء. فنحن نتطاول في البنيان ونتقاصر بالإنسان.

وحسبك دليلاً على ما نزعم أن هذه الشركة تنفق عشرة مليارات للارتقاء بالأبراج، ولا تنفق ألفاً أو ألفين توظف بهما لساناً أو قلماً يحمي رسائلها من العجمة ويعيد إليها هويتها العربية بعدما ارتضت المسخ والنسخ.

وبعد... فمتى ندرك أن الإنسان أعظم من البنيان، وأن أعظم ما في الإنسان أصغراه: العقل واللسان؟ ومتى ندرك كذلك أن كلا قلاعنا العسكرية والسياسية والاقتصادية مخترقة أو مستباحة، وأن القلعة الأخيرة القادرة على المقاومة هي الفصحى، وأن حمايتها من الاستباحة هو الشكل الوحيد من أشكال الجهاد الذي نستطيع أن نمارسه، فلا نتهم بالتطرف والإرهاب؟

ومتى... ومتى سنتعلم من رئيس فرنسا عندما انسحب من اجتماع القمة الأوروبية، خبر من النخوة اللغوية، والاعتزاز بالهوية القومية فوق ما فيه من سلوك الساسة والدفاع عن الزعامة، خبر في جريدة «الشرق الأوسط» يوم السبت 25/3/2006 خلاصته:

ان شيراك وأعضاء الوفد الفرنسي وبينهم وزير الخارجية ووزير المالية، انسحبوا من مؤتمر القمة الأوروبية في «بروكسل» لسبب قد يبدو لي ولك يسيراً لا وزن له، ولا يستحق اعتراضاً ولا امتعاضاً، ولكنه كان في نظر شيراك كبيرة من الكبائر لا يجوز تغمدها بالمغفرة، فما هذا السبب اليسير الخطير أو الصغير الكبير؟

السبب هو أن مواطن شيراك الفرنسي وهو رئيس لوبي الأعمال الأوروبي ألقى كلمته في المؤتمر بالإنجليزية، فهو لم يشتم فيها فرنسا، ولم يهن حكومتها، ولم يعرض برئيسها.

كل ما في الأمر أن لسانه رطن بالإنجليزية. أي: بلغة دولة تجاور فرنسا وتربطها بها مصالح وعلاقات عريقة، وأحلاف قيمة، وتاريخ، وتشدها إليها مجاورة جغرافية من بحر يموج بين الدولتين، ونفق يخترق عقر «المانش» ليربط الجارة بجارتها عبر شريان أطول من نفق الشندغة مئة مرة.

خرج شيراك أنفة وحمية لأمته لا لذاته، وحينما سئل عما حمله على الخروج قال: ليس من مصلحة الحضارة الإنسانية أن تكون كلها من لون واحد، وشكل واحد، وطعم واحد. وإنما من مصلحتها التعدد لا التوحد، والثراء لا الفقر، فإذا فرضت عليها لغة واحدة أصيبت بالرتوب، وطغى عليها السأم وأتهم أصحابها بالضعف.

للإنسان العربي أن يتساءل ـ وفي تساؤله بقية من حمية ـ هل يسلك قادة العرب أو من يمثلونهم في المؤتمرات الدولية هذا المسلك؟ وهل يشعرون، وهم يشاركون في هذه المؤتمرات، بمثل ما أحس به شيراك؟ أم يفضلون أن يتخلوا عن أعرق اللغات السامية لإرضاء العم سام؟

وهبه رضي عنهم، فهل ينعم عليهم بوسام أم يزداد تجبراً وتكبراً ويمعن في الزراية بالعربية وامتهان ما تنطوي عليه من تراث؟

الحقيقة التي نعرفها نحن العرب معرفة اليقين هي أن الجمل لا يركب حتى يناخ، أي: حتى يذلل ويهوي بعنقه من السماء إلى الأرض، ولو رسخت مناسمه في الأرض، وشمخت خياشيمه في السماء لحرم سنامه على الراكب.

والعرب في العصر الحاضر لم يأخذوا من خلق الجمل إلا الصبر والطأطأة، وكل ما يفعلونه اليوم هو إعداد الدفاع، وتكذيب التهم التي توجه إليهم مرة، وإلى دينهم أخرى، وإلى لغتهم ثالثة.

ولكي يوفروا على أنفسهم عناء الدفاع دأبوا على أن يرطنوا بالإنجليزية، ولو لم يطالبوا بمضغها. ترى، ألغتهم دون لغة شيراك أم هم دونه؟ نحن إلى ترجيح الثانية أميل.

الخلاصة إذن اننا في حاجة إلى نخوة لغوية كنخوة شيراك، ولسنا في حاجة إلى لغة أجنبية كلغة بوش وبلير وخاصة في المحافل والمؤتمرات التي يتكلم فيها المؤتمرون باسم ثلث مليار عربي ومليار مسلم.

وتشبهوا إن لم تكونوا منهم

إن التشبه بالكرام فلاح .

كاتب إماراتي