آفة «فوضى السلاح» أو «الفلتان الأمني» على الساحة الفلسطينية، دخلت طور الورم الخبيث. على الأقل هي تهدد بأن تأخذ هذا المنحى. منذ فترة وهي تتفاقم وتنذر بعواقب وخيمة.

مؤخراً بدأ يستفحل أمرها ويتأزم، بموازاة التأزم الذي حكم الأجواء السياسية الداخلية، في أعقاب ما شهدته من تغييرات في الموازين والأدوات.

والخطير ان «المظاهر المسلحة» ما عادت مسألة عدم انضباط أو استعراض عضلات، بل صارت أداة من أدوات الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني الدائر. وأحداث يوم الجمعة التي وقعت في غزة، تنطق بذلك. ناهيك بما رافقها من اتهامات بالتصفية الجسدية وبالرد عليها بالمثل.

لكن على خطورته فإن «انتشار السلاح» ليس هو لب المشكلة. هو فقط تعبير من تعبيرات تمظهرها. بالتأكيد هو الأخطر من بينها، اذا ما استفحلت ظاهرة اللجوء إليه لحسم الصراعات.

عندئذ هو لا يغتال فقط العملية السياسية وصمامات أمانها، بل أيضاً يجر الساحة الى الاقتتال الأهلي. أي الى الوقوع في الفخ المنصوب، من زمان، للقوى الفلسطينية والذي طالما سعى إليه وراهن عليه اعداؤها.

جوهر المشكلة يكمن في التشرذم السياسي وعدم القدرة على صوغ توافق عريض، تنضوي كافة القوى تحت خيمته لمواجهة مهمات المرحلة الخطيرة الراهنة، الفشل، حتى الآن، في العثور على مثل هذه الصيغة، التي تكفل وحدة السلاح والموقف والأولوية.

أدى الى انفجار غزة، كما الى التضارب السياسي الذي حملته ردود الفعل على الهجوم الانتحاري، في الضفة، والذي سقط فيه 4 من المستوطنين الإسرائيليين.

وزاد من البلبلة والتوتر في المشهد ان كل ذلك حصل، بعد يوم واحد من تسلم حكومة «حماس» الجديدة لمهامها الرسمية، الأمر الذي شحن الأجواء بالمزيد من الشكوك والارتياب والتساؤلات، بخصوص التوقيت والأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذه التطورات.

والمربك، بل المؤسف أيضاً، أن هذا التشرذم في الساحة الفلسطينية يأتي في لحظة تتزايد فيها الضغوط ومحاولات العزل الخارجية لها.

الحكومة الجديدة تلقت انذارات من «الرباعية» بوقف دعم الموازنة الفلسطينية اذا لم توافق على الاستجابة للشروط المطلوبة: «الاعتراف بإسرائيل والتخلي عن العنف». يعني عن المقاومة.

ويرافق ذلك ارتفاع وتيرة التهديدات الإسرائيلية، على لسان مسؤولي «كاديما»، بالمضي فور تشكيل الحكومة، في مشروع الفصل الأحادي الجانب، الذي لا يترك للفلسطينيين سوى رقعة من الضفة مقطعة على شكل كانتونات ثلاثة، تحت رحمة إسرائيل أمنياً واقتصادياً وعسكرياً.

وأمس أخذت هذه التهديدات شحنة من الجدية التي تضعها في منزلة الخطر الزاحف، في الأفق القريب، وذلك عندما قالت الوزيرة رايس بأن «واشنطن قد تتفهم قيام إسرائيل برسم الحدود من جانب واحد» الرسالة واضحة ولا تحتاج إلى فك رموزها.

في مقابل هذا الانقضاض كان الأحرى بالوضع الفلسطيني ان يسارع الى لملمة أموره وجمع مكوناته للتمترس وراءها والتحصن بها. انشغاله بحساباته، إن كان للتشويش أو لتصفية الحسابات، محكوم بالوصول الى حصيلة سلبية تزيد من قابلية أعدائه لاستباحته أكثر فأكثر.

ومازالت الفرصة متوفرة للاستدراك والاستدارة نحو مصدر الخطر. عندئذ تصبح «المظاهر المسلحة» موضوعاً ثانوياً يسهل التغلب عليه بعد معالجة جذوره السياسية.