قبل أن يجف حبر مقررات القمة العربية في الخرطوم التي دعا جانب منها إلى احترام الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني سارعت الإدارة الأميركية إلى دعوة دبلوماسييها بقصر اتصالاتهم على الرئيس الفلسطيني ونواب البرلمان من خارج كتل الأغلبية التي تمثلها حركة المقاومة الإسلامية حماس.
رفضت القمة خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي بالوكالة والفائز بالانتخابات أيهود أولمرت لرسم الحدود من جانب واحد، فسارعت واشنطن إلى تأييد موقفه، في انقلاب واضح على دعمها السابق لخارطة الطريق.
وحظي أولمرت زعيم حزب كاديما بتهنئة عاجلة من الرئيس الأميركي جورج بوش، وتأكيد على حصار حماس ما لم تركع الحركة وتعترف بإسرائيل.
الموقف الأميركي من حماس معلن ومعروف لكن التأييد الفاضح لخطة ترسيم الحدود الأحادية، وحظر التعامل مع الحركة وحكومتها برئاسة اسماعيل هنية والذي جاء بعد ساعات من اختتام قمة الخرطوم، يحمل رسالة استهزاء واضحة للقادة العرب تقول: إن مقرراتكم لا تحتاج من واشنطن التوقف عندها، لأنها لا تعدو كونها ديباجة للاستهلاك العربي المحلي.
مساندة أطماع إسرائيل التوسعية بترسيم الحدود من جانب واحد وقصر واشنطن التعامل مع فريق فلسطيني دون آخر، والمصادرة على خيار الشارع الفلسطيني الذي منح حماس ثقته، تدخل واضح في الشأن الفلسطيني الداخلي .
وانحياز سافر إلى تل أبيب، ولعب مفضوح بورقة عزل الحركة التي شكلت لتوها حكومة تواجه الكثير من التحديات الداخلية والخارجية.
هذا الموقف الأميركي يضع البلدان العربية التي أشاد قادتها في الخرطوم بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، أمام تحدٍّ مهم، ويلقي عليهم بمسؤولية الوقوف إلى جوار حماس.
وتقديم البرهان على احترامهم هم أنفسهم قبل غيرهم على احترامهم للخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني، وان ينفذوا القرارات التي أعلنوها في الخرطوم، حتى لا تكون مجرد أقوال للاستهلاك المحلى كما تنظر إليها واشنطن.
أن تقف واشنطن ضد حماس، وأن تنتصر لإرادة إسرائيل، فهذا أمر طبيعي، لكن غير المنطقي، أن تتبخر قرارات قمة الخرطوم، خشية لوم أو إملاء أميركي، وهو ما يخشاه الشارع العربي، الذي يراهن على الحد الأدنى من التضامن العربي.
والوقوف إلى جوار الفلسطينيين، وعدم تركهم في مهب الأطماع الإسرائيلية، والدعم الأميركي غير المحدود، عقابا على منحهم الثقة لحركة حماس.
الوقوف إلى جوار حماس ليس بالضرورة انتصار لرؤيتها، حتى لا يتعلل البعض باختلافه مع خطها السياسي، ولكن دعم الحركة، في المقام الأول تقدير للشعب الفلسطيني الذي اختار حماس، لأسباب هو الأجدر بتقديرها، وإذا كنا نحترم إرادة الفلسطينيين فعلا لا قولا، علينا بدعم حكومتهم المنتخبة، وإعطاء حماس الفرصة كاملة لقيادتهم.
وعلينا ألا نلتفت إلى الضغوط الأميركية، لان تلك الضغوط المسؤولة الأولى عن الأوضاع الكارثية التي تعيشها المنطقة، واستمرارنا في الرضوخ إليها يعني المزيد من الكوارث.