مع افتراض وصول البشر إلى الرشد الكافي الذي يؤهلهم لاستخدام عقولهم لإدارة شؤون دنياهم يبقى العقل هو أهم ما نفتقر إليه ونفتقده اليوم في إدارة شؤون بلادنا العامة في عالمنا العربي والإسلامي في وقت يتظاهر فيه الزمان علينا وتشتد الفتن بنا وتحاصرنا التحديات من كل جانب.

وهو الغائب الأكبر في المشهد الدولي العام أيضاً سواء في عملية صناعة القرارات لا سيما فيما يتعلق بقضايا بلدان العالم الثالث ولا سيما بلداننا العربية والإسلامية أو في مسار العلاقات العامة بين الدول والأمم وصناعة القرارات الدولية على وجه العموم.

وتحت وطأة هذا الغياب شبه الكامل للعقل وتضاؤل الاستخدام العملي له تكاد «المصالح الوطنية» العليا للدول والأقطار والبلدان تصبح «بضاعة»، يتم المساومة عليها في بازار المزادات العلنية أثناء خوض الصراعات المحتدمة بين بعض المعارضة هنا أو هناك مع بعض الحكومات والسلطات هنا أو هناك.

لا بل إنها باتت تقدم قرباناً مجانياً للطامعين والتواقين لزيادة النفوذ والهيمنة في بعض الحالات من أجل الاستئثار بمصلحة فردية أو فئوية أو طائفية هنا أو هناك على حساب مصلحة الأوطان العامة.

فماذا يعني مثلاً استمرار التخاصم والقطيعة، والأهم من ذلك عدم التواصل العملي البناء بين قوى «السلطة» القديمة وقواها الجديدة في فلسطين وبقاء مستقبل أخطر قضية وأهمها في بلاد العرب والمسلمين برسم المجهول .

وعدم اغتنام الفرصة الذهبية في المعادلة الدولية الراهنة غير غياب العقل وطغيان الإحساس و«العاطفة» والفئوية والأنانيات القاتلة للفرص والأوطان؟

أو ماذا تسمي ذلك البازار المفتوح للبيع المجاني للمصلحة الوطنية العليا في العراق الذبيح والجريح المستنزفة موارده، والتي تتدخل فيه كل قوى العالم عدا الشعب العراقي صاحب المصلحة الأولى، غير غياب العقل وطغيان مقولات الاستئثار والانتفاع المؤقت ببعض فتات، ما خلفته قوى الطغيان والغلبة السابقة أو قوى الهيمنة والاستحواذ الإمبراطوري الجديدة!

ثم أين هو صوت العقل في السودان الذي كان يوماً سلة أرزاق العالم العربي والإسلامي بينما تحول اليوم إلى مزاد علني لأشكال التدخل الخارجي من أجل تقاسم ثرواته وتمزيقه وإخراجه نهائياً من دائرة صناعة القرار العربي والإسلامي؟

أو أين هي الحكمة والتدبير اللازمين للخروج من المحنة التي أبتلى بها لبنان فيما نراه من تسابق بين بعض الفئات للاستقواء بهذه العاصمة أو تلك، من أجل قلب توازنات التوافق الوطنية الداخلية الممانعة التي كانت حتى الأمس القريب هي الحاضنة الطبيعية لاستمرار استقلال لبنان وسيادته وعزته وحريته؟

وعشرات الأمثلة الأخرى التي يمكن أن نسرد فيها تفاصيل مسار غياب العقل مقابل طغيان الإحساس والعواطف والأنانيات أثناء معالجة قضايا الوطن العليا من سوريا إلى إيران إلى باكستان وإلى كل نقطة تقابل داخلية أو خارجية على امتداد الوطن الإسلامي الكبير من طنجة إلى جاكارتا.

ثم ماذا أصاب العالم وأين ذهبت قواه الحية والفاعلة وكيف طارت «عقوله» هكذا مرة واحدة تاركة ميدان الصراع بين استقطابين متطرفين يريد كل منهما استئصال الآخر بحجة امتلاكه الحقيقة المطلقة.

و«التفويض الإلهي» لطرد أو لتكفير من عداه؟ فيما نراهم يحولون العالم الذي يفترض به أن يكون مكان تعايش الجميع إلى جهنم غير قابلة للسكن ولا تحمل إلا مزيداً من الآلام والمعاناة؟

أين هو صوت العقل الذي يجب أن ينطلق من الشرق كما في الغرب ليوقف طغيان شهوة القتل والعدوان والتدمير واستنزاف الموارد والطاقات والعقول البشرية فقط من أجل تلبية أطماع وأنانيات وشهوات قلة قليلة تريد الاستئثار بكل شيء من أجل زيادة مناطق نفوذها أو توسيع إمبراطوريتها.

أو ذلك الوجه الآخر للعملة من جنس الفئات التكفيرية التي تريد طرد كل أشكال وأنواع استخدام العقل من أجل إشباع شهوة الاستئثار بامتلاك «الحق» والحقيقة؟

أين هو صوت العقل عندما يصر البعض في مسرح العلاقات الدولية بأنه هو المعيار الوحيد المقبول للدول والأوطان في اختيار منهج الحكم أو النهج المعارض المناسب لإدارة شؤون البلاد والعباد بحجة أن ما وصل إليه من خبرة وتجارب هو «نهاية التاريخ»؟!

ألا يعني هذا إهانة للذات الإنسانية التواقة للسمو والكمال والقادرة على اجتراح الحلول والمناهج المتلائمة مع ظروف الزمان والمكان وخصوصية الأمم والشعوب؟!

لماذا هذا الإصرار على قتل روح الإبداع والمبادرة لدى تلك الفئة القليلة ممن تتحكم باحتكار الحراك الدولي والإقليمي والمحلي، فقط لأنها تملك اليوم مؤهلات القوة المادية العالية من وسائل قمع عسكرية أو أمنية أو وسائل قمع إعلامية أو معرفية أو علمية؟!

هل ينبغي أن نتجاهل الحاجة الماسة إلى أعمال العقل في السياسات العامة وصناعة القرارات في أوطاننا وعلى مستوى العلاقات الدولية فقط لأننا نمتلك مفاتيح القوة الميدانية وإمكانيات إطلاق مزيد من الفضائيات ووسائل التأثير على الرأي العام؟

ألا نخاف من اليوم القريب الآتي الذي إذا ما حان حلوله سيطيح بكل إنجازات الإنسانية بسبب تغييبنا الكامل للعقل مما قد يفتح المجال لإطلاق كل أشكال الغرائزية القاتلة؟!

ليس هناك ثمة ثابت في كل معادلات السياسة والاقتصاد والعسكر، وكل ما هو من صنع الإنسان، وكل شيء مهما بدا قوياً ومتيناً ومستقراً انما هو متغير ومتحول ومتبدل من حالة إلى حال، ولا يظنن أحد مهما بلغت قوته.

وبلغ جبروته انه قادر أن يبقي معادلة سلطته وتسلطه دائمة إلى ما لا نهاية، أليس من الأفضل إذن الحساب للبعيد واستشراف مستقبل يوم يطفح فيه الكيل مع تلك الجماهير والشعوب المهمشة فتقوم بحرق الأخضر واليابس؟!

ألا من عاقل يتدارك هذه المسيرة المتراجعة للعقل والعقلانية في إدارة شؤون البلاد والعباد ويوقف هذا الزحف الجنوني للغريزة والشهوانية وعبادة الأنا الشخصية والحزبية والفئوية والطائفية والمذهبية والدينية والاستعمارية.

لا تتوقعوا حصول «معجزة إلهية» فزمن المعجزات كما كان معروفاً أيام الرسل والأنبياء قد توقف مع انقطاع الوحي عن الناس كما أسلفنا، فهل من عودة للعقل الذي تركته الرسالات السماوية أمانة عندنا لإنقاذ ما تبقى من فرص، أم أن العالم متروك لجنون الشهوة بلا حدود؟

أمين منتدى الحوار العربي ـ الإيراني