المشهد كله كان مليئاً بالدلالات على ما يجري في العالم العربي، وعلى الصراع حول حاضره ومستقبله، وهو صراع لا يقرره العرب وحدهم، بل ربما يكونون - للأسف الشديد ـ آخر الأطراف في تقرير مصيره.. إذا استمرت الأمور على ما هي عليه !!

في اليوم نفسه الذي كانت القمة العربية تلتئم في الخرطوم، كانت الانتخابات الإسرائيلية تستقطب اهتمام العالم، وكانت حكومة حماس تنال ثقة البرلمان الفلسطيني وتتلقى في الوقت نفسه القرارات الأميركية بأنها ستكون حكومة تحت الحصار حتى تخضع.. أو ترحل !!

والمشهد كله كان يلخص الأوضاع في المنطقة.. في فلسطين شعب تحت الاحتلال وحكومة تحت الحصار، وفي الخرطوم نظام عربي لا يختلف وضعه عن الوضع الفلسطيني، فالنظام العربي كله محاصر بضعفه وعجزه أولا، ثم بقوة «الآخرين» وأطماعهم ومخططاتهم لتمزيق الوطن العربي.

وإنهاء عروبة المنطقة وتحويلها إلى قطع صغيرة في رقعة شطرنج يتحكم فيها اللاعب الأكبر ( وربما الوحيد ) في عالم اليوم، ولا بأس أن تكون معه القوى الإقليمية غير العربية في المنطقة، ولكل حصته من النفوذ أو الأرض أو الثروة.. العربية بالطبع!!

لقد انعقدت القمة العربية وانفضت، ولا أظن أنه من المناسب الحديث عن نجاح أو فشل، فلا أحد كان يأمل في شيء حقيقي من البداية. والإنجاز الذي تحقق (إذا صح الحديث عن إنجازات) هو أن القمة انعقدت في موعدها، وأنها انعقدت في الخرطوم رغم ظروفها الصعبة.

وأنها مرت بلا فضائح أو مواقف مأسوية أو كوميدية تعودنا عليها في القمم الأخيرة، ثم أنها جددت لعمرو موسى أميناً عاماً لعله ينجح في الإمساك بما تبقى من عمل مشترك وعبور المرحلة الصعبة التي يمر فيها النظام العربي وتنعكس سلباً على الجامعة العربية.

انعقدت القمة لتجد أن الملفات العربية الأساسية ليست بيدها. العراق تحت الاحتلال الأميركي الذي يتفاوض على مستقبل القطر (الذي كان عربياً) مع إيران وربما بعد ذلك مع تركيا.

وفلسطين تحت ذل الاحتلال وحصار التجويع يتقرر مصيرها وفقاً للإرادة الإسرائيلية ـ الأميركية بعيداً عن أي دور عربي فاعل،و السودان برسم التقسيم، وسوريا تحت التهديد،و لبنان يضبط أمورها السفيران الأميركي والفرنسي!!

وهكذا لم يكن أمام القمة إلا ترديد المواقف الأساسية التي تعرف أن أحداً لن يتعامل معها بجدية ما دامت الإرادة العربية على الفعل غائبة، ومادام العجز هو السمة الأساسية لنظام عربي محاصر بالضعف والتخلف والتهرب من فواتير التقدم والإصلاح.

على الجانب الآخر كان المشهد مختلفاً.. عبور هادئ من موقع إلى موقع، ومن مرحلة في الصراع الإسرائيلي ـ العربي إلى مرحلة أخرى. وللمرة الأولى يقود تيار (الوسط) الحكم في الكيان الصهيوني بعد أن تقاسم اليمين واليسار السيطرة على السلطة منذ إنشاء إسرائيل..

حيث قاد اليسار المرحلة الأولى وخاض كل الحروب الأساسية حتى حرب أكتوبر، ليتسلم اليمين زمام الأمور وينجح في عقد كامب ديفيد ومعاهدة الصلح مع السادات، ويستمر في الوقت نفسه في ارتكاب مجازره في فلسطين وفي لبنان التي خرج فيها بعد ذلك مدحوراً.

الآن يتغير المشهد.. فشارون الذي ارتكب من الجرائم في حق العرب ما لا يمكن حصره، والذي نال من التأييد الأميركي ما لم يحلم به.

والذي استخدم هذا الدعم غير المسبوق من الإدارة الأميركية في محاولة فرض الأمر الواقع الإسرائيلي على الفلسطينيين والعرب والعالم.. شارون بكل ماضيه النازي أدرك أن إسرائيل أمام لحظة لا تتكرر.

فالعرب في أضعف حالاتهم، والتأييد الأميركي غير المسبوق لإسرائيل ربما يتناقض بعد ذلك، والشرعية الدولية خاضعة للإرادة الأميركية.

وبالتالي فهذه لحظة الحسم التي لن تتكرر والتي بدأت بالانسحاب الأحادي من غزة، تمهيداً لانسحاب آخر في الضفة يتم فيه فرض الحدود الجديدة لإسرائيل ،وبحيث يتم استكمال تهويد القدس والاستيلاء الكامل عليها وعلى نصف الضفة الغربية.

والمخطط قديم، وهو لدى شارون منذ مجيئه للحكم حيث حدد نسبة ما سيستولي عليه من الضفة بـ 42% ولم يمانع في قيام دولة فلسطينية هي في حقيقتها كيان متقطع الأوصال غير قادر على الحياة إلا تحت السيطرة الإسرائيلية.

وهدفها الوحيد ـ بالنسبة لهذا المخطط ـ أن تبقي على عنصرية إسرائيل بوصفها دولة لليهود ولا يهددها خطر أن تصحو ذات يوم فتجد أن أغلبية سكانها من العرب الفلسطينيين.

شارون الآن ميت إكلينيكيا، ولا أظن أن إعلان وفاته سيتأخر كثيراً بعد إجراء الانتخابات وفوز حزبه «كاديما » بالمركز الأول فيها وإن بعدد أقل من المتوقع من مقاعد البرلمان. رحل شارون عن الحكم .

وسيرحل عن الحياة، ولكن مخططه باق، وخليفته أولمرت يمشي على الطريق ويؤكد العزم على رسم حدود الدولة العبرية قبل 2010 وفرضها على الفلسطينيين والعرب والعالم.. بمباركة أميركية.

و المخطط الذي أعلنه أولمرت يحظى بشبه إجماع صهيوني، باستثناء خلافات غير أساسية حول الحدود النهائية وحجم الأراضي الفلسطينية التي سيتم الاستيلاء عليها، وباستثناء اليمين المتطرف الذي مازال يتحدث عن الاستيلاء على كامل الأراضي الفلسطينية.

والذي يقدم في النهاية الخدمة المطلوبة بإظهار برنامج «اولمرت» وكأنه «تنازل» للفلسطينيين، رغم أنه لا يمثل في حقيقته إلا برنامجاً للاستيلاء على القدس ونصف الضفة وفرض الأمر الواقع الذي يعكس توازن القوي المختل بين العرب وإسرائيل، والموقف المنحاز من جانب الإدارة الأميركية.

لكن الأمر ليس فقط في توازن القوي، ولكن في إدارة الصراع. فنحن أمام عدو يملك رؤية واضحة عما يريد، ومشروعاً لا يتنازل عنه، وديناميكية تمكنه من تعظيم قوته ومن الاستفادة من كل العوامل المتاحة أمامه لتثبيت مكاسبه وتحقيق خطوات متتابعة في إنجاز مشروعه العنصري الاستعماري.

ولا بأس - على هذا الطريق - من أن يغير تحالفاته الدولية في كل مرحلة، وأن يغير جلده وفقاً للظروف، وأن يكون الحكم فيه لليمين إذا كان ذلك يحقق المطلوب، ويكون الحكم لليسار إذا كان ذلك يفتح أبواباً للدعم كانت مغلقة.

ويجئ الوسط إذا كان هو المطلوب لتقديم صورة زائفة للاعتدال ترضي أوربا التي ترفض الهوس الديني المتعصب للتحالف الصهيوني الإسرائيلي - الأميركي، ولا تغضب واشنطن التي يهمها في المقام الأول أن تنتصر مخططات الهيمنة الإسرائيلية في فلسطين.

على الجانب الآخر نظام عربي يفتقد القدرة على التجدد، ويفتقد الرغبة في الإصلاح، ولا يملك الإرادة القادرة على توظيف قدراته البشرية والمادية من أجل تحقيق التقدم المطلوب. النتيجة ثروات عربية تتكدس في بنوك الخارج ومعها ملايين العاطلين الذين يهددون الأمن العربي من المحيط إلى الخليج !

ومليارات تنفق في شراء الأسلحة في غيبة نظام أمن عربي، فإذا وقعت الواقعة كان الحل هو التدخل الأجنبي ! وتوافق من الجميع على ضرورة الإصلاح السياسي ،فإذا جئنا للتنفيذ وضعت العراقيل وتعددت وسائل التسويف والمماطلة ! وثم انتظار عقيم لثورة في التعليم وتجديد في الثقافة..

فإذا اصطدمنا بالواقع تاهت الخطى وأصبحنا بيئة طاردة للعلم والعلماء مازالت تشغل نفسها بالجدل حول أفكار ابن تيمية أوساجتهادات زبن لادن !!

وقائع يوم الثلاثاء الماضي تكشف حجم الخلل الذي نعانيه والتحديات التي نواجهها،وقد تكون الصورة مؤلمة، ولكنها لا ينبغي أبداً أن تدعو لليأس أو تفرض علينا الاستسلام للأمر الواقع الذي يراد فرضه علينا. فالعكس هو الصحيح، والنهوض والتقدم هو القدر الذي لابد أن نتمسك به.

رغم كل الصعاب فنحن نملك كل مقومات الصمود وكل إمكانيات النهضة،ونملك الآن إدراكاً صحيحاً بأن الكل في خطر، وبأن من بحثوا عن الأمان خارج نطاق عروبتهم وجدوا أنفسهم في العراء.

ومن تهربوا من مسؤوليتهم القومية يدفعون الثمن، ومن تصوروا أنهم يستطيعون أن يناموا في هدوء بينما النيران مشتعلة من العراق إلى فلسطين إلى لبنان إلى دار فور هم واهمون، وإن مثلهم مثل من يتوهمون أن الحديث عن الإصلاح يغني عن تحويله إلى واقع ملموس.

لم يعد هناك من يملك رفاهية التعامي عن المخاطر والتحديات، لكن السؤال يبقى: كيف نعبر نقطة العجز التي تجسدت في الخرطوم وفي كل قمة تنعقد في ظل نفس الظروف.. وكيف نستعيد القدرة على المواجهة التي نملك كل إمكانياتها بشرط أن نبدأ بمواجهة أنفسنا قبل ان نواجه الآخرين؟!

نقيب الصحافيين المصريين