رئيس ليبيريا سابقاً تشارلس تايلور ألقي القبض عليه نهاية الأسبوع الماضي ليمثل أمام محكمة جنائية دولية متهماً بارتكاب جرائم حرب وإبادة.

وقبل تايلور بأيام جرى اعتقال زعيم كونغولي وترحيله إلى مقر المحكمة الجنائية الدولية في هولندا ليواجه أيضاً اتهامات تتعلق بجرائم حرب، فالزعيم توماس دايلو متهم بتجنيد أطفال للقتال في حرب محلية قبلية.

وحالياً تتفاوض السلطات البلجيكية مع السلطات السنغالية حول تسليم رئيس تشادالسابق حبري ليقدم إلى محكمة بلجيكية في بروكسل.. أيضا بتهم ارتكاب جرائم حرب.

سيصفق بعض الناس الذين لا يعرفون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا هاتفين: ها هي العدالة الدولية تتحرك. فهل هي عدالة حقا؟

لا أحد من البشر الأسوياء يعترض على العدالة..

خصوصا إذا طبقت على مرتكبي جرائم شنيعة ضد الانسانية كالمذابح الجماعية مثلاً، لكن لكي تكون العدالة عدالة لا بد من توفر شرطين أساسيين:

أولاً: نزاهة المحققين مع نزاهة القضاة.

ثانياً: ألا تكون هناك انتقائية في ملاحقة من يشتبه بهم في ارتكاب مثل هذه الجرائم العظمى.عدا هذين الشرطين تكون العدالة الدولية مسيّسة بالضرورة والحتمية.

فلنأخذ مثلاً حيا هو أقرب الأمثلة في هذا الصدد وهو المثال البلجيكي، فبينما تضغط الحكومة البلجيكية على حكومة دولة افريقية فقيرة لكي تسلم ضيفها الافريقي حسين حبري رئيس تشاد السابق فانها فيما يبدو نسيت أن القضاء البلجيكي رفض قبل نحو عامين دعوى جنائية ضد الزعيم الإسرائيلي آرييل شارون بذريعة «عدم الاختصاص».

وكانت الدعوى مرفوعة نيابة عن ذوي ثلاثة آلاف فلسطيني ـ غالبيتهم نساء وأطفال وعواجيز ـ كانوا ضحية المذبحة الشهيرة في مخيم «صبرا وشاتيلا» التي وقعت قرب بيروت تحت إشراف الجنرال شارون بالتواطؤ مع «الكتائب» المسيحية اللبنانية.

ولو سلمنا جدلاً بصحة القرار القضائي بعدم الاختصاص فما الذي يمنع الحكومة البلجيكية من ملاحقة شارون (قبل غيبوبته المرضية) وطلب تسلمه لإعادة تقديمه إلى محاكمة؟

والسؤال يفرز تساؤلاً: هل نتوقع في حالة تقديم حبري إلى محاكمة ان يحكم القضاء البلجيكي أيضاً بعدم الاختصاص بناءً على سابقة شارون؟

أما الانتقائية الغربية في التعامل مع جرائم الحرب ومرتكبيها فإنها ببساطة فاضحة. فلماذا لا يقدم جورج بوش إلى محاكمة بتهمة إبادة ما يربو على مئة ألف عراقي قتلوا كنتيجة غزو أميركي غير مسنود بشرعية دولية؟

ولماذا لا يحاكم فلاديمير بوتين بتهمة المذابح التي ترتكبها القوات الروسية في الشيشان؟

هناك نكتشف عذراً أقبح من الذنب.

ذلك ان المحكمة الجنائية الدولية لا تملك سلطة قانونية لاتهام شخص ينتمي إلى دولة لم توقع على قانون انشاء المحكمة ما لم يتخذ مجلس الأمن الدولي قراراً رسمياً باحالة هذا الشخص إلى المحكمة الدولية.

ولكن كيف يتمكن مجلس الأمن الدولي من اتخاذ مثل هذا القرار بحق جورج بوش أو فلاديمير بوتين طالما ظلت كل من الولايات المتحدة وروسيا تتمتعان بملكية حق الفيتو لاحباط أي قرار؟!

وهكذا لن تطال العدالة الدولية سوى الأفارقة المساكين.