رد الفعل الجماعي الغربي تجاه قضية المرتد الأفغاني يعكس على الفور أربع حقائق في آن:

أولاً: انه رغم الحيادية بين الأديان التي يدعيها الغرب انطلاقاً من مبدأ علمانية الدولة فإن القادةالغربيين يتحركون في مواقف معينة ـ وبصورة جماعية تضامنية ـ من موقع عصبية مسيحية ذات طابع ديني مطلق.

ثانياً: افتضاح الدعوى الأميركية بشأن تطبيق ديمقراطي نموذجي في أفغانستان والعراق.

ثالثاً: خضوع الجهاز البيروقراطي للأمم المتحدة لاعتبارات وتحركات السياسة الدولية للولايات المتحدة.

رابعاً: المزيد من الانكشاف لظاهرة «جمعيات الإغاثة» الغربية.

المرتد الأفغاني الذي يدعى عبدالرحمن (40 عاماً) ألقي عليه القبض وأودع السجن في كابول رهن المحاكمة بموجب بلاغ من ذويه بأنه تخلى عن عقيدته الإسلامية واعتنق المسيحية، فأصبح بالتالى يواجه عقوبة الإعدام بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية في هذه الحالة.

على الفور هبت عاصفة سياسية من كافة العواصم الغربية تقريباً من أجل إنقاذ هذا الشخص المرتد ترافقت معها ضغوط على حكومة الرئيس الأفغاني قرضاي لوقف المحاكمة أو الالتفاف عليها، باسم «حقوق الإنسان»، وكان من أبرز المحتجين حكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا وأستراليا ومفوضية الاتحاد الأوروبي.

وبالطبع كانت الولايات المتحدة رأس الحربة في هذه الحركة الاحتجاجية، وحتى بابا الفاتيكان أصدر بياناً في هذا السياق.وبالطبع رضخت حكومة قرضاي وانتهى الأمر إلى «تبرئة» المرتد بذريعة أنه «مختل عقلياً» رغم إصراره خلال المحاكمة على أنه اعتنق المسيحية.

وبعد أن أطلق سراح عبدالرحمن أصبحت المشكلة هي كيفية حمايته، وهنا دخلت كل من الولايات المتحدة وإيطاليا في تنافس على منحه اللجوء.هنا يطرأ تساؤل: هل كان للحكومات الغربية أن تتدخل لو كانت واثقة من أن عبدالرحمن بريء حقاً من منظور القانون المطبق في أفغانستان؟

قطعاً لا، ومن هنا كان التدخل لتعطيل مسار العدالة القضائية بصورة تعسفية، وتجاوبت حكومة قرضاي دون تأخير.هذا هو طراز الحكم الذي تريده الولايات المتحدة للبلدان الإسلامية، ديكور «ديمقراطي» أجوف يتوسطه رئيس يؤمر فيفعل.

وفي سياق الحملة الغربية تحركت أيضاً الأمانة العامة للأمم المتحدة وكأنها جهاز تابع للإدارة الأميركية. فبناء على توجيهات عاجلة من نيويورك شارك الممثل الأممي في كابول في ممارسة الضغوط على حكومة قرضاي .

ووراء ارتداد المواطن الأفغاني عبدالرحمن قصة. فقد اعتنق المسيحية على يد جمعية «إغاثة» غربية كانت تعمل في مخيمات اللاجئين الأفغانيين في الأراضي الباكستانية، ويبدو أن أصحاب الجمعية تخوفوا على حياته فنقلوه إلى ألمانيا حيث أقام هناك لمدة 15 عاماً. لكن ما كاد يمضي أسبوعان على عودته للوطن حتى أبلغت عائلته بأمر ارتداده عن الدين الإسلامي.

هكذا يظهر دليل جديد على طبيعة مهام جماعات «الإغاثة» الغربية. فبينما تملك هذه الجمعيات مؤسسات مسيحية فإن في مقدمة مهامها القيام بأنشطة تنصيرية وتجسسية في آن. أما عمل «الإغاثة» فليس سوى غطاء.

ويبقى سؤال:

لماذا لم تتحرك الحكومات الغربية بهذه القوة الجماعية عندما نشرت رسوم في صحف أوروبية تستهزئ برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم؟