تمثل القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، ما يتعارف عليه في العالم (بالشرعية الدولية) سواء كانت قرارات مجلس الأمن أو توصيات الجمعية العامة، ولأن الشرعية، أية شرعية، لا يمكن أن تتجزأ، ولا يمكن أن تتلون، ولا يمكن أن تتناقض فتكون الشرعية موجودة هنا ومعدومة هناك، ومتحركة هنا وساكنة هناك..
كما لا يمكن أن تكون مزدوجة المعايير، فتكون عالية الصوت هنا وصامتة هناك، عادلة هنا وظالمة هناك، وفعالة هنا ومتقاعسة هناك.
عندما تتناقض تلك الشرعية مع ذاتها ومع ميثاقها ومع المبادئ النبيلة التي أكدتها وبشرت بها، المتمثلة في مناهضة الاستعمار وتجريم الاحتلال، وشرعنة حق الشعوب الواقعة تحت عدوان الاحتلال في المقاومة المسلحة ضد المحتلين بما ينطبق على المقاومين في فلسطين والعراق ولبنان لتحرير أوطانهم ولنيل الاستقلال، حين تصدر من القرارات ما يخلط الأوراق بين إجرام الإرهاب المرفوض، ونضال المقاومة المفروض فإنها تقع في حالة من الانفصام بين المشروعية الإنسانية واللا مشروعية الدولية.
وعندما تصدر قراراً بالتدخل الأممي تحت عنوان إنساني بينما هو في الواقع يخفي أجندة استعمارية، كما تتعامل في دارفور أو في تيمور بقرارات تجافي سيادة الدول بحجة حماية بعض مواطني هذه الدول، بينما تغمض العيون،
وتصم الآذان عن جرائم احتلال إسرائيل للأرض العربية، وتحديها للقرارات الدولية، ومواصلة العدوان الهمجي ضد المواطنين الفلسطينيين، وتجريف المزارع، ومواصلة الاستيطان، وبناء الجدار العنصري، فإنها تكشف ازدواجيتها وتضرب في الصميم مشروعيتها.
ولا يمكن للشرعية أن تقبل الانتقائية في التطبيق، فتصدر قرارات باسمها من مجلس الأمن تحت الفصل السابع ضد دول بعينها، بينما تتعامل وفقاً للبند السادس مع دول أخرى، كما يحدث مع القضايا العربية والإسلامية في الغالب تهديدا.
في الوقت الذي تمتنع فيه عن مجرد إصدار إدانة للجرائم الإسرائيلية أو الأميركية أو البريطانية بانتهاكات لحقوق الإنسان طبقا لما نصت علية اتفاقيات جنيف، يراها العالم على يد قوات الاحتلال وهي تقتل الآمنين وتعذب الأسرى والمعتقلين فإنها تكشف انحيازها وتفقد مشروعيتها.
وعندما تضغط في اتجاه تطبيق أحد القرارات الدولية مثلما تضغط لتنفيذ القرار1559 ضد سوريا ولبنان مثلا الصادر في العام الماضي فقط، بينما تتقاعس في الضغط لتنفيذ قرار آخر مثل القرار 425 أو القرار 242 الخاص بانسحاب إسرائيل من أراضى سوريا ولبنان في شبعا والجولان وهى الأجزاء الباقية تحت الاحتلال حتى الآن، أو حينما تضغط على حكومة حماس للاعتراف بإسرائيل، دون اعترافها بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فإنها تكشف انتقائيتها وتفقد مشروعيتها.
وعندما يتحول مجلس الأمن ( الذي يمثل حكومة العالم ) المكون من خمس دول فقط، تملك إذا اتفقت فرض إرادتها على إرادة 191 دولة هم أعضاء الجمعية العامة
( التي تمثل برلمان العالم)، وتملك واحدة فقط من هذه الدول الخمس بالفيتو تعطيل أي قرار لمجلس الأمن، وفق لامتياز منحه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية لأنفسهم لفرض هيمنتهم، أفلا يشكل ذلك وضعا مجافيا لمنطق الديمقراطية والعدالة الدولية، بما يؤكد ديكتاتورية الأقلية، ويفقد القرارات شرعيتها؟
إن الصورة المنحازة المجافية لمبدأ المساواة بين الدول تتضح ضد الحق العربي والمنطق الإنساني من جانب دولة كبرى واحدة من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن هي الولايات المتحدة، حين نرصد أن المندوب الأميركي في مجلس الأمن قام برفع يده اعتراضا بالفيتو أكثر من 36 مرة، معطلا 36 قرارا يرتب حقا للعرب، أو يدين سلوكا لإسرائيل في قضية واحدة فقط هي الصراع العربي الصهيوني، وهذا ما جعل إسرائيل فوق القانون الدولي بحماية أميركية، وبسوء استخدام حق الفيتو.
لو أن القرارات الدولية كانت مبرأة مما أشرت إليه بما ينقض المعنى الحقيقي للشرعية، وصنع الرخاء الدولي لشعوب العالم تطبيقا للأهداف التي أنشئت من أجلها بمنظماتها المختلفة، لما كانت هناك حاجة للمطالب الدولية لإصلاح المنظمة الدولية بما فيها مجلس الأمن الذي أصبح يعانى من تحكم الدولة الواحدة على عكس إرادة المجتمع الدولي، بما يشكّل اختلالا في هيكل البناء، وآليات اتخاذ القرار، وتوازن الصلاحيات بين أجهزة الأمم المتحدة، ينبغي الإصرار الدولي على إعادة صياغة الميثاق بتقليص سلطة مجلس الأمن وتقوية سلطات الجمعية العامة.
ولنأخذ جانبا واحدا لاختلال أداء مجلس الأمن وهو الانتقائية في تطبيق ما اتخذه بالفعل من قرارات، فيما يخص القضية التي أصبحت بالغة التعقيد، وتحولت إلى مأساة إنسانية مزمنة وهى القضية الفلسطينية وما ترتب على عدم قدرة، أو حتى رغبة مجلس الأمن في التوصل إلى حل لها من امتداد آثارها إلى ما يعرف بالصراع في الشرق الأوسط.
لقد اتخذ مجلس الأمن عشرات القرارات الدولية بخصوص هذه القضية وحدها، ولو أنه استطاع أو أراد تطبيق قراراته الأولى لحل هذه القضية، لما تفاقمت الأزمة، ولا امتد الصراع إلى دول أخرى في المنطقة وخارجها، ولما نشبت الحروب في المنطقة نتيجة لتداعيات استمرارها، بل ولما احتاج المجلس إلى إصدار بقية القرارات الكثيرة على مدى السنوات التالية لحلها.
وكلنا يعرف أن هذه الأزمة التي بدأت بوعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917، والذي جرى تطبيقه بمساعدة الإنجليز بفتح أبواب الهجرة اليهودية على مدى السنوات التالية إلى فلسطين في ظل الانتداب البريطاني.
وقيام العصابات الإرهابية الصهيونية بارتكاب المجازر ضد سكان القرى الفلسطينية في «دير ياسين » وغيرها لدفعهم إلى الهجرة خارج وطنهم بهدف تغيير الوضع الديمغرافي لصالح اليهود على حساب المواطنين العرب الفلسطينيين.
وحين مكن من لا يملك من لا يستحق من إمكانية السيطرة على فلسطين، وبدت الهجرة اليهودية الضخمة تثير قلق الدول العربية في العام 1946 تدخلت الأمم المتحدة بإيفاد لجنة التوفيق أو التحقيق، لا فرق، وتفاقم الموقف بانسحاب بريطانيا من فلسطين وإعلان الصهاينة قيام الدولة ( إسرائيل) من طرف واحد.
مما أدى إلى نشوب الحرب العربية ـ العبرية، ونزوح أعداد هائلة من اللاجئين الفلسطينيين إلى الدول المجاورة في العام 1948، وأصدر مجلس الأمن قرارات بفرض الهدنة بغرض إتاحة الفرصة «للمجتمع الدولي» لحل القضية على أساس القرار 181 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية في ظل فيدرالية اقتصادية مركزية، مع وضع خاص للقدس.
ثم أصدر القرار رقم 194 القاضي بحق المهجرين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، وتعويض المتضررين منهم، وكذلك تعويض من يقرر عدم العودة، ولو استطاعت الشرعية الدولية أو أرادت فرض هذين القرارين على الرغم من رفض العرب واليهود لهما منذ البداية، بنفس الإصرار الذين يفرضون به قرارات أخرى غير متوازنة، وغير منطقية أحيانا على دولنا العربية في العراق السودان وسوريا ولبنان، لما تمددت الأزمات، وصدرت للتعامل معها عشرات القرارات والتي بقيت معظمها دون تطبيق، وبقي معها الصراع في الشرق الأوسط دون حل عادل وشامل ودائم.
من يعيد جدولة كل تلك القرارات الدولية، ومن يضع لها جميعا جدولا زمنيا لتنفيذها وفق أسبقية صدورها، لأنه لو كان القرار 194 مثلا قد تم تنفيذه لما كانت هناك مشكلة تستدعي صدور القرار 1559 الذي يرى في سكان مخيمات اللاجئين في لبنان «ميليشيا أجنبية » يلزم نزع سلاحها لأنه لم يكن هناك سبب لبقاء مخيم واحد للفلسطينيين، ولو كان القرار 242 قد تم تطبيقه لما كانت هناك مقاومة حزب الله لتحرير مزارع شبعا التي احتلها الإسرائيليون عام 1967.
حتى لا تفقد الشرعية الدولية شرعيتها مطلوب من كل الدول المؤيدة للحق والعدل والسلام في العالم الإصرار على إعادة المصداقية للمنظمة الدولية بإصلاحات حقيقية لتطبيق القرارات الدولية المشروعة لتحقيق السلام العادل، ليس في فلسطين محور الصراع في الشرق الأوسط فقط ولكن في العالم كله.
* كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com
