لا يملك الإسلاميون فهما دقيقا للعلاقات الدولية ولا يشغل التاريخ العالمي أي حيز في اهتماماتهم. فهم مثلا قد لا تستوقفهم حقيقة أن اثنين من أكثر الدكتاتوريين الذين أسهموا في صياغة تاريخ العالم في القرن العشرين، أدولف هتلر وبنيتو موسوليني وصلا إلى السلطة في ألمانيا وايطاليا عن طريق صناديق الاقتراع.

وهم إلى هذا، بقوا في عزلة حتى في مجتمعات أوروبا التي يعيشون فيها وباتوا يشكلون فيها جاليات كبيرة ومؤثرة تجعل جان ـ ماري لوبن يتقلب في فراشه فزعاً من كابوس تحول الفرنسيين إلى أقلية والكاثوليكية إلى دين أقلية.

ويتعين الإقرار أيضاً، أن الإسلاميين وهم ينعمون بفضائل الديمقراطية والليبرالية الغربية في الدول الأوروبية لا يفهمون الجذور الحقيقية لهذا التسامح والتضحيات الكبرى التي خاضتها المجتمعات الغربية للوصول إلى أوضاع التسامح هذه ولا يبدون معنيين حتى الآن بمحاولة فهم هذا التاريخ.

لكن على مدى الشهور القليلة الماضية، أثبت الإسلاميون أن كل ما قالوه عن الغرب صحيح، ما قالوه حول أزمة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم صحيح.

أن إحدى الحجج القوية التي ترددت ان حرية الصحافة مجيرة في الغرب لان الصحافة الغربية بل لا احد يجرؤ في الغرب على الحديث عن «الهولوكوست» أو المساس باليهود.

ان هذا صحيح إلى أبعد حد وهذه الصحف التي تتبجح بحرية التعبير تعرف تماماً أن التعرض لليهود مثلاً يقترب من المحرمات، لا يمكن أن تحاجج أن الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم هو حرية تعبير. إن في الأمر استدراجاً لمعركة فات الكثيرون أن ينتبهوا إليه.

لقد نشرت الرسوم للمرة الأولى في سبتمبر من العام الماضي ولم تكن هناك ردة فعل كبيرة وأعيد نشرها من جديد بعد شهور، فهل هناك سبب مهني أو آخر يتعلق بحرية الصحافة يفسر إعادة نشر الرسوم؟. ليس هناك من تفسير سوى أن إعادة نشر الرسوم كان استدراجاً لمعركة وتصرف مقصود لإثارة ردود فعل العالم الإسلامي.

هذا النفاق باسم حرية التعبير، وجد تعبيره الآخر لدى بيروقراطيي الاتحاد الأوروبي في بروكسل الذين هرعوا للاستنجاد بنصوص اتفاقيات منظمة التجارة الدولية ليطلقوا تهديدات أمام دعوات مقاطعة البضائع الدانماركية التي انطلقت في غمرة ردود الفعل.

ماذا يريد هؤلاء البيروقراطيون من شعب اختار طوعاً مقاطعة منتجات شركات بلد وجهت إحدى صحفه إهانة له ولمعتقداته؟. إن المقاطعة كانت أكثر من وسيلة حضارية للإعلان عن موقف، وهي نوع من المقاومة السلبية مثل تلك التي أطلقها المهاتما غاندي في الهند.

لقد قاطع غاندي الملح الانجليزي ودفع الهنود إلى استخراج الملح من البحر. وقاطع منتجات النسيج البريطاني وعلم الهنود كيف يغزلون ملابسهم على النول التقليدي. إن غاندي لا ينظر إليه إلا باعتباره ملهما ورائداً في نمط المقاومة التي أبداها والتي كانت المقاطعة الاقتصادية أحد وسائلها الأساسية.

لكن جشع الشركات ليس له حد والعماء الأخلاقي ليس له مثيل لدى الغربيين عندما يستنكرون على العرب والمسلمين أن يختاروا التوقف عن شراء بضائع، بل إنهم يستنكرون عليهم ذلك بأسلوب قمة في التناقض والعماء الأخلاقي.

فالمقاطعة انطلقت ضد المنتجات الدانماركية وكان الفارق واضحاً لدى هؤلاء الذين أطلقوا الدعوات للمقاطعة لأنهم لم يشملوا منتجات البلدان الأخرى، لكن العماء الأخلاقي لبيروقراطيي بروكسل اختزل الموقف بشكل عجيب: «إهانتكم حق لنا وانتم مجبرون فوق ذلك على شراء بضائعنا».

أما الوجه الآخر للنفاق الأخلاقي المتأصل في الغرب، فتتبدى صوره جلية منذ فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية وتشكيلها للحكومة الفلسطينية.

انضمت كندا التي صنعت لنفسها صورة البلد المتسامح منذ أيام إلى قائمة الدول التي أوقفت مساعداتها للسلطة الفلسطينية والسبب فوز حركة حماس. رغم هذا فإن الديمقراطية الفلسطينية تبدو متقدمة بمقاييس كثيرة وتقترب من نموذج الديمقراطية الإسرائيلية: حزب الغالبية يشكل الحكومة.

مع هذا لا ينظر أركان إدارة بوش إلى هذا إلا باعتباره تهديداً خطيراً. ان هذا يأتي في الوقت الذي تحاول هذه الإدارة المكارثية إعادة صياغة العالم على قاعدة علاقات دولية جديدة: نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب.

لم يتردد المسؤولون الأميركيون ولا الغربيون في الإفصاح عن هذا الموقف المتناقض، وهذا لا يدل على انعدام الحصافة لدى هؤلاء، بل ان الأمر يبدو ابعد من ذلك.

فالعداء مع الحركات الإسلامية ووضعها تحت الضغط والابتزاز ان هي قبلت الدخول في اللعبة السياسية يبدو ثمرة طبيعية لسياسة تم اعتمادها وتدشينها منذ مطلع هذه الألفية.فالإمبراطورية المنطوية على نفسها كما وصفها نعوم تشومسكي بحاجة إلى عدو عالمي جديد يعطيها كل مبررات هذا الاندفاع نحو الأسواق ومصادر الطاقة.

بعد سنوات من العيش مع ترهات الديمقراطيين أيام كلينتون حول الرعاية الاجتماعية والصحية، جاء وقت الانطلاق إلى أسواق العالم ووضع اليد على مصادر الطاقة والحفاظ على هيبة الإمبراطورية بعد خطيئة صدام حسين باعتماد اليورو بدلا من الدولار في تصدير النفط.

هذا الاندفاع يحتاج لعدو كوني يملك طابع الشمول والقسوة ويفتقد للسوية مثلما هو «تنظيم القاعدة» الذي أصبح بدوره يتبنى أي عملية يقوم بها شبان ناقمون في أي مكان في العالم.

على هذا، لا اعتقد أن مثل تلك الإهانة ستتوقف، بل إننا سنرى أشكالاً أخرى من هذه الإهانات التي يراد منها استدراج المسلمين (وليس تنظيم القاعدة) إلى فقدان رشدهم في التعبير عن غضبهم من الإهانات التي ستلحق بهم.

ثم سيأتي تنظيم القاعدة ليذهب بردود الفعل هذه إلى مدى بعيد من الشطط والخروج عن السوية ليعلن ان هذه العملية أو تلك إنما تأتي انتقاما من تلك الإهانة.

أو سيظهر هذا التنظيم الذي لم يفوضه أحد، في المناطق التي تسير فيها الحركات الإسلامية نحو مزيد من العقلانية ومزيد من التفهم والإحساس بالمسؤولية، تماما مثلما هو الحال في فلسطين. فقط انتظروا كيف سيظهر زرقاوي آخر في غزة.

كاتب بحريني

sunono@yahoo.com