لم يكن فوز كاديما في الانتخابات الإسرائيلية مفاجئاً لأحد، فقد توقعت غالبية استطلاعات الرأي فوزه بنسب متفاوتة. ولعل أهم ما يميز حملة أولمرت الانتخابية كان اعتماده على تسويق مبدأ "الخطوات الأحادية" التي بدأها شارون بانسحابه من غزة، وأدت فيما بعد إلى انفصاله عن الليكود وتشكيل حزبه الجديد "كاديما" ليتمكن من متابعة سياسته التي وجدت اعتراضاً لدى اليمين الليكودي الأكثر تطرفاً بقيادة نتنياهو. وإذا كان شارون قد تمكن من إقناع الشارع الإسرائيلي بأن هذه الخطوات الأحادية ضرورية بغياب "شريك سلام" حقيقي يمكن التفاوض معه، فإن مهمة أولمرت كانت أسهل بعد فوز حركة حماس بالانتخابات الفلسطينية، والتي يتهمها الإسرائيليون بأنها وراء مجموعة كبيرة من العمليات الفدائية داخل إسرائيل.
لكن تأييد الشارع الإسرائيلي للخطوات الأحادية ليس مطلقاً على ما يبدو، بل هو آني ويعتمد على قناعته بعدم وجود "شريك سلام" كما يروج القادة الإسرائيليون. فقد أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد ترومان لأبحاث السلام مؤخراً (16 - 21 مارس 2006)، بالاشتراك مع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية في رام الله، أن 60% من الإسرائيليين يؤيدون الدخول مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مفاوضات للوصول إلى حل دائم، لكن 46% فقط يعتقدون بإمكانية الوصول إلى تسوية في الظروف الحالية، فيما يرى 51% عكس ذلك، كما أظهر الاستطلاع أن 68% من الإسرائيليين و66% من الفلسطينيين يؤيدون حل قيام دولتين يهودية وفلسطينية. كما أعرب 76% من الإسرائيليين عن تأييدهم القيام بفك ارتباط جديد في الضفة عن طريق المفاوضات فيما قال 17% منهم فقط إنهم يؤيدون فك ارتباط من جانب واحد وعبر 63% من الإسرائيليين عن اعتقادهم أن الخطوات الأحادية تقلل من فرص التوصل لحل دائم.
هذه الأرقام وغيرها التي جاءت في الاستطلاع تحمل دلالات واضحة ربما تأخذها قيادة كاديما في الاعتبار لدى قيامها باتصالات لتشكيل حكومة ائتلافية. وهذا يجعل بالطبع حزب العمل - الذي يؤيد التوصل إلى حل دائم عبر مفاوضات مباشرة - أكثر المرشحين حظاً للدخول في ائتلاف مع كاديما في الحكومة القادمة، فالليكود وشاس أكثر تطرفاً من أن يسمحوا بانسحابات جديدة من الضفة - سواء كان ذلك أحادي الجانب أو عبر مفاوضات -، والأحزاب اليسارية الأخرى - مثل ميريتس - أقل قوة وإقناعاً في الشارع الإسرائيلي.
إن على الحكومة الإسرائيلية القادمة أن تنظر أبعد من أنفها وتحاول الوصول إلى حل دائم، وليس إلى إجراء يعتمد في نجاحه على وجود إدارة أمريكية تنتهج الممارسات الأحادية والحروب الاستباقية. هذه السياسات لم تجلب لأمريكا والعالم غير الدمار، وقد لا تنتهج الإدارة القادمة نفس السياسات، وذلك سيجبر القيادة الإسرائيلية على إعادة النظر في خطواتها الأحادية ويدفعها للبحث عن حل أكثر توازناً وعقلانية. إذا كانت إسرائيل تسعى فعلاً إلى السلام، فهذه فرصة تاريخية عليها عدم إضاعتها كما فعلت عشرات المرات في السابق.