كان القادة العرب على حق حين أبدوا موقفا حازما من التمسك بالمبادرة العربية الصادرة عن قمة بيروت عام 2002، ذلك لانهم واجهوا خذلانا مشينا من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وايضا من اعضاء اللجنة الرباعية المعنية بملف صراع الشرق الاوسط (الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وروسيا والامم المتحدة).
فهذه الاطراف الدولية عجزت تماما عن مواجهة الاطماع الاسرائيلية والاغراء المستمر الذي يدفع قوات الاحتلال الى التهام الحقوق الفلسطينية تباعا ودون توقف.
وكان آخر هذه المواقف النفاقية تراجع الولايات المتحدة الاميركية عن موقفها السابق بضرورة ترسيم حدود اسرائيل عبر المفاوضات، وابداء واشنطن موقفا تراجعيا على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس التي أيدت امس خطة اولمرت الرامية الى رسم الحدود الاسرائيلية من جانب واحد، وكانت واشنطن في السابق قد حذرت اسرائيل من القيام بأي خطوة تؤثر على مفاوضات الحل النهائي وخاصة فيما يتعلق بقضية الحدود، ورددت رايس مجددا التعبيرات الاسرائيلية المكررة التي تزعم عدم وجود شريك فلسطيني، وهي العبارات التي ألقتها في وجه كل من يحاول جذب الجانب الاسرائيلي الى مائدة المفاوضات منذ وجود الراحل ياسر عرفات على رأس السلطة الوطنية الفلسطينية ومرورا برئاسة عباس وانتهاء بتولي حماس مقاليد الحكومة الفلسطينية اعتبارا من امس، ولم يكد يمضي يوم واحد على حماس في السلطة حتى بادرت دول ومؤسسات (مثل كندا) الى قطع الاتصالات معها ودون ان تطرح حماس برنامجها العملي لقيادة المسيرة السلمية او ادارة الملف الشائك لصراع الشرق الاوسط المزمن.
وكان يفترض بالادارة الاميركية واللجنة الرباعية ان يكونا وسيطين في الصراع وليس طرفا منحازا للاسرائيليين، تارة بالتلويح بتجويع الشعب الفلسطيني نزولا على رغبة الاسرائيليين في معاقبته على انتخابه حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي التأمت في يناير الماضي، وتارة بحشد الرأي العام الدولي ضد حركة حماس التي لا تريد ان تعطي اسرائيل تنازلات بلا مقابل، ذلك على الرغم من ان حماس حتى اللحظة تطالب بانسحاب اسرائيلي الى حدود 67 قبل التفاوض معها وهذا المطلب منصوص عليه في قرارات الشرعية الدولية، واذا أضفنا الى ذلك الموقف موقفا آخر هو وقف حماس للعمليات العسكرية ضد الاسرائيليين عمليا لامكننا القول ان حكومة حماس لم تتخط الخطوط العريضة للحل الدولي للصراع العربي الاسرائيلي، فلماذا كل هذا التوتر المصاحب لبدء حماس العمل الحكومي؟
ان الموقف العربي القائم من الصراع مع اسرائيل يجد له انصارا كثيرين من الناظرين الى القضية بمنظار العدالة والموضوعية التاريخية وليس بمنظار الامر الواقع الذي يفرضه السلاح بعكس ارادة المنظومة الدولية وميثاق الامم المتحدة.
فقد كررت تركيا حثها للمجتمع الدولي ان يمنح حماس فرصة وجنوب افريقيا اكدت التزامها بدعم السلطة الوطنية الفلسطينية كما هي عادتها من قبل وذلك عشية زيارة عباس لها.
واذا كانت الادارة الاميركية لا تملك الشجاعة الكافية لمعارضة اسرائيل فان هذا الموقف ليس ملزما لأحد في العالم لا اصحاب القضية ولا اصدقاءهم وداعميهم،وكل ما تريده الحكومة الفلسطينية ان يتوقف انصار اسرائيل عن اطلاق الاحكام المسبقة ولندع الافعال تتحدث عن نفسها.