قبل سنوات كان الديكتاتور التشيلي السابق أوجستو بينوشيه محور جدل بدأ في إسبانيا واعتبر البعض آنذاك أنه كتب فجأة فعليا شهادة وفاة «حصانة الحكام» من الملاحقة القانونية خارج بلادهم،

وقد جرت في النهر مياه كثيرة عاد بعدها اسم تشارلز تايلور لواجهة المشهد السياسي مرة أخرى مقترنا بمساع لتقديمه لمحكمة مجرمي الحرب، فقد دعت منظمة حقوق الانسان الدولية هيومن رايتس ووتش نيجيريا إلى الاحتفاظ بالزعيم الليبيري السابق تشارلز تايلور المنفي فيها بتهم جرائم الحرب إلى ليبيريا وعدم السماح له بالفرار،

وكان تايلور قد نفي إلى نيجيريا عام 2003 ضمن اتفاق لإنهاء حرب أهلية كانت قد دامت أربعة عشر عاما في ليبيريا وهو يواجه 17 تهمة تتعلق بارتكاب جرائم حرب خلال الحرب الأهلية في سيراليون المجاورة.

وقد عكس بيان المنظمة الحقوقية تركيزا على أهمية نهاية الحصانة:«إن هذا يوم عظيم بالنسبة للعدالة، ليس فقط لضحايا الحرب الوحشية في سيراليون، بل أيضا للنضال من أجل الحصانة من العقاب التي دمرت حياة الكثيرين من الناس في غربي إفريقيا».

والتغيير الذي طرأ ليس فقط على مناخ دولي يتجه نحو مزيد من التدويل لقضايا حقوق الإنسان وإنشاء المحاكم ذات المرجعية التي تتجاوز الدولة. وهذا التغيير لا يقتصر على الموقف الرسمي في العواصم الغربية التي تمسك بدفة التحولات على ساحة السياسة الدولية منذ سنوات، وهي عواصم غربية على جانبي الأطلنطي كانت محاولاتها لتوسيع نطاق هذا التدويل تواجه معارضة كبيرة من حكومات الجنوب والشرق،

أما الآن فإن بعض عواصم الجنوب بدأت تشهد تحولات جديدة من أمثلتها الوعي الجديد الذي خلقته أزمات غرب أفريقيا المتشابكة، فعندما طلبت الرئيسة المنتخبة في ليبيريا «سيرليف» تسليم تشارلز تايلور أصر الرئيس النيجيري على أنه تشاور مع قادة أفارقة آخرين توسطوا في اتفاق السلام الليبيري عام 2003 قبل اتخاذ قراره بتسليم تايلور ولم يبد أي منهم اعتراضا.

وتلخص مسيرة تايلور قبل الوصول للحكم وبعد حتى إقصائه صفحة سوداء من تاريخ أفريقيا تعتبر محاكمة تايلور إعلانا عن طيها، فهو بدأ مشوار السلطة بحرب أهلية في ليبيريا عام 1989 قبل أن ينتخب رئيسا عام 1997 وكان قد اتهم ببيع الألماس لشراء السلاح لمقاتلي «الجبهة المتحدة الثورية» الذين عرفوا ببتر أطراف المدنيين خلال الحرب التي دامت عشر سنوات في سيراليون.

وفي نهاية مرحلة التمرد أطاح بالرئيس (الرقيب) صمويل دو فافتتح عهده بمحاكمة الرئيس السابق ووقف بنفسه يقطع من جسده وهو حي، ثم أعدمه بصورة بشعة، وفي مرحلة تالية دخل تايلور في مواجهات مسلحة مع خصومه ألحقت بسجله انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان حتى عُد من مجرمي الحرب. تشارلز تايلور الذي حكم ليبيريا أربعة عشر عاما غرقت خلالها في حمامات لا تنقطع من الدماء قبل أن يرحل ويتنحى مجبرا تاركا ليبيريا خراباً.

محاكمة تشارلز تايلور تتعمق دلالاتها أكثر برؤيتها في مرآة محاكمة عواد البندر، فخلال محاكمة صدام حسين أقر عواد البندر بأنه أصدر أحكام الإعدام في قضية الدجيل، ودافع عن موقفه بأنه كان جزءا من نظام عام وكان يحكم بموجب قانون بالتالي فإنه لا تجوز محاكمته، والدرس الحقيقي لمحاكمة عواد البندر أن «الإرادة الثورية» ليست فوق حقوق الإنسان وأن القاضي لا يجوز أن يتصرف كما لو كان مجرد «ترس» في آلة لا يملك أن يقول «لا»،

وأنه مسؤول عن القوانين التي يصدر الأحكام بناء عليها وعن توافقها أو تعارضها مع معايير حقوق الإنسان التي لا يجوز التذرع لا بالخصوصية الحضارية ولا بسيادة الدولة لتبرير انتهاكها. وعليه فإن من يقف في قفص الاتهام في الحالتين هو في الحقيقة «الإرادة الثورية».

ومحاكمة تشارلز تايلور وعواد البندر تضع على محك الاختبار درجة التوافق العام على مستوى معايير العدالة الدولية العابرة لحدود الدول والثقافات، وهي معايير تحتاج المزيد من الدعم لتكتسب الإجماع الذي يجعلها إطارا إنسانيا يعلو سلطات الدول ويرشد عنف السلطة الذي كتب الفصول الأكثر دموية في تاريخ شعوب الجنوب وبخاصة الجمهوريات الثورية التي ارتدت بمفهوم العدالة إلى أكثر حقب التاريخ الإنساني وحشية،

من عيدي أمين إلى سياد بري إلى تشارلز تايلور الذي كان يقطع بنفسه من جسد خصمه صامويل دو وهو حي. فلا فرق في الحقيقة بين من قتل خصومه بيده كما فعل تايلور ولا الذي قتلهم من خلال قفاز «المحاكم الثورية» كما فعل صدام، وفي الحالة الثانية فإن القاضي والطاغية أصبحا معا في قفص اتهام واحد.

كاتب مصري