احتضنت مدينة دبي خلال الأسبوع الماضي، 21-23 مارس، المؤتمر العالمي الأربعين للجمعية الدولية للإعلان بحضور 2040 خبيرا وباحثا ومشاركا من 70 دولة في العالم. انعقاد المؤتمر في دولة عربية يحمل أكثر من دلالة ومغزى ويشير إلى ازدهار وانتشار وتطور الصناعة التسويقية والترويجية والإعلانية في الوطن العربي. فهناك طفرة كمية ونوعية في هذا المجال خاصة في دول الخليج.

المؤتمر أثار العديد من التساؤلات تتعلق بموقع العرب في الخريطة الإعلانية العالمية سواء من حيث الإنتاج وفنون صناعة الإعلان أو من حيث الإنفاق الإعلاني أو من حيث التكوين والتدريس والتدريب أو من حيث الدراسات والأبحاث وكذلك الآداب والأخلاق والقيم.

فإذا كان الإنفاق الإعلاني في العالم يقدر بـ 500 مليار دولار فإن نصيب العرب لا يتجاوز 3 مليارات دولار أي 6,0 في المئة. وإذا كان نصيب الفرد من الإعلان هو 300 دولار أميركي في أستراليا و450 دولارا في الولايات المتحدة الأميركية فإنه لا يتعدى عشرات الدولارات للفرد الواحد في معظم الدول العربية.

أما إذا تكلمنا عن إنتاج وصناعة الإعلان فالأمر يحتاج إلى وقفة متأنية نظرا لكون العالم العربي يستهلك الإعلان ولا ينتجه. ومعظم الإعلانات التي تنشر وتبث في وسائل الإعلام العربية سواء كانت صحف أو مجلات أو محطات تلفزيونية أرضية أو فضائية،

فإنها إعلانات معلبة ومستوردة وما أضيف عليها هو الدبلجة وبعض اللمسات و«الرتوشات» البسيطة. وهنا نلاحظ مشاكل عديدة تتعلق بالحياء واحترام الآداب والقيم والعادات والتقاليد والأخلاق. فما يصلح للآخر قد لا يصلح للبيئة العربية والإسلامية.

فوكالات الإعلان في الوطن العربي ما زالت قليلة جدا ومعظمها لا علاقة له بالمهنية والحرفية وصناعة الإعلان. فهذه الوكالات عبارة عن مكاتب سمسرة ووساطة بين المؤسسات الإعلامية والمعلنين. كما نجدها بعيدة كل البعد عن صناعة الإعلان وفنونه وطرق إنتاجه.

أما عن العلاقة بين وكالات الإعلان ووسائل الإعلام فهناك العديد من الانتقادات التي تتمحور أساسا حول انعدام الشفافية والحرفية واستعمال الكثير من النفوذ والعلاقات الشخصية واعتبارات أخرى تكون بعيدة عن أصول المهنة وأخلاقياتها. كما نلاحظ في بعض الدول العربية سيطرة الحكومة على الإنفاق الإعلاني وتوجيهه وتوزيعه حسب ولاء المؤسسة الإعلامية للسلطة.

وبدلا من استعمال الإعلان للتنمية والتغيير والتطور يستعمل في هذه الحالة للضغط وللرقابة. كما يلاحظ قلة عدد وكالات الإعلان وقلة المهنيين في المجال الإعلاني، وحتى معاهد وأقسام وكليات تدريس الإعلان وتكوين الكوادر المحترفة والمؤهلة لممارسته تبقى ضئيلة جدا ولا تكاد تذكر.

وهنا تظهر الحاجة كبيرة جدا وماسة خاصة من قبل الجامعات العربية وكليات وأقسام الاتصال الجماهيري للاهتمام وبالإعلان والتسويق والاتصال المتكامل للاستجابة لمتطلبات السوق وإعطاء النكهة العربية المحلية للإعلان وثقافته وصناعته وترويجه وتسويقه من جهة ومن جهة أخرى نلاحظ أن الرأي العام العربي ما زال يفهم الإعلان في حدود الاستهلاك وتقديم السلع وتقنيات الإغراء للشراء.

وهذه الرؤية الأحادية تحمل الكثير من المغالطات والالتباسات لأن الإعلان يُستعمل في مجالات عديدة لا تتعلق بالضرورة بالاستهلاك. فالإعلان وسيلة للتغيير والتطور والتنمية المستدامة وهو وسيلة كذلك لتغيير السلوك والتصرفات وليس كقوة محركة للاستهلاك فقط.

ويمكن الاستفادة منه في مجال التوعية الصحية والثقافة البيئية وفي التوعية المرورية وفي مجالات عديدة مثل الزراعة والسياحة والتكافل الاجتماعي والأعمال الخيرية...الخ.

من المشاكل الكبيرة التي يعاني منها الإعلان في الوطن العربي عدم إقبال المعلنين الغربيين على الإعلان في المنطقة العربية بسبب غياب الإحصاءات والأرقام والدراسات الموثوقة الخاصة بتوزيع الجرائد والمجلات وعدد المشاهدين والقراء...الخ. وهنا نلاحظ الحاجة إلى الكشف عن أرقام التوزيع بشفافية والتعاقد مع شركات دولية متخصصة موثوقة للتدقيق في هذه الأرقام.

وهذا يعني أن سوق الإعلان في الوطن العربي بحاجة إلى دراسات وأبحاث سواء فيما يخص ديمغرافية المستهلكين أو الفضاء الإعلامي وحجم وسائل الإعلام وأرقام توزيعها وانتشارها في المجتمع ومدى تفاعل المستهلكين مع الرسائل الإعلانية وكذلك القيم التي تحملها الإعلانات...الخ.

فالإعلان بدون دراسات وأبحاث منظمة ودورية ومنهجية علمية مخططة ومدروسة يبقى مغامرة لا أحد يعرف نتائجها وتداعياتها وانعكاساتها. كما نلاحظ مع الأسف الشديد، في الوطن العربي، غياب كبير لدراسات وأبحاث المشاهدين والقراء والمستمعين وغياب كذلك دراسات الإنقرائية والمقروئية ونلاحظ أن كل وسيلة إعلامية تدعي أنها هي الأحسن توزيعا وانتشارا، لكن لا شيء يثبت ذلك.

وحتى ساعات الذروة المتعارف عليها عالميا ليست واضحة المعالم في الدول العربية. فالإعلان الناجح هو ذلك الذي يعتمد على أرقام وإحصاءات دقيقة وموثوقة، تتسم بالموضوعية والدقة والمصداقية. وبالأبحاث والدراسات نتعرف على الجدوى من الإعلان وعن نقاط القوة ونقاط الضعف فيه.

و هذا يقودنا للتأكيد على موضوع الكفاءات والحاجة إلى تشجيع الشباب العربي على الإقبال على الإعلان والتسويق والاتصال المتكامل حتى تمارس هذه الصناعة وفق الأصول ووفق الأسس العلمية لصناعة تتميز بدورها الاستراتيجي في عملية التنمية الشاملة وفي عملية صناعة الرأي العام وتنوير المستهلك والفرد في المجتمع على معرفة ما يدور من حوله وما يتوفر لديه وإعطائه الفرصة للانتقاء والاختيار وصناعة القرارات الرشيدة التي تُبنى على المعلومة وليس الصدفة.

هذه القرارات يتخذها كل واحد منا عدة مرات في اليوم على مدار السنة. فهناك حاجة ماسة لتدريس الإعلان في الجامعات في المنطقة العربية وللاهتمام بالتكوين والتدريب والاستفادة بخبرات وتجارب الآخرين. أما الاعتماد على الاستهلاك فقط واستخدام ما ينتجه الآخرون فهذا يؤدي، لا محالة للتبعية والذوبان في الآخر وفقدان الهوية والخصوصية والمحلية.

من جهة أخرى نلاحظ انخفاض الميزانيات وغياب الإحصاءات وعدم توفر الدراسات والأبحاث وغياب جمعيات الإعلان ونقابات المعلنين وغياب التدريس والتكوين في مجال الإعلان. هذه المشكلات يجب النظر فيها بجدية ومعالجتها بمنهجية للنهوض بالصناعة الإعلانية في الوطن العربي وبنائها على أسس علمية.

جاء المؤتمر الأربعون للجمعية العالمية للإعلان الذي احتفت مدينة دبي باحتضانه في الوقت المناسب ليرمي الحجرة في بركة المياه الراكضة ويحرك المختصين والمسئولين عن الإعلان والصناعة الإعلانية في الوطن العربي لوقفة تقييمية نقدية مع الذات للتفكير في سبل واستراتيجيات ومناهج النهوض بقطاع استراتيجي يلعب دورا محوريا على مستوى الفرد والمؤسسة والمجتمع، وفي جميع مجالات ومناحي الحياة.

أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة