لم تفلح الجهود والاحتياطات الأمنية الهائلة في كشف الغموض الذي يلف ظاهرة الإرهاب الدولي، ولم تقدم، حتى الآن، ما يكفي لتبيان جذوره، وإجلاء دوافعه، وكيفية مواجهته، سواء على الصعيد القطري أم الدولي.
وبات من المتعارف عليه في ضوء التجربة الدولية في مكافحة الإرهاب منذ أحداث 11 سبتمبر أن اعتماد الوسائل الأمنية والعسكرية والاستخباراتية وحدها لم يسهم في القضاء على الإرهابيين، وأن التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، الذي تقوده الولايات المتحدة، لم يستطع مجابهة تنامي هذه الظاهرة بالنظر إلى التعاقب السريع للعمليات الإرهابية التي نفذت على مدار السنوات الأربع الماضية.
ورغم أن التطرف الديني على المستوى الفكري، واستخدام العنف تحت غطاء الدين، علامتان وصمتا كافة المجتمعات وكافة الأديان في مراحل تاريخية متعاقبة، إلا أن التهديد الإرهابي الحالي يأتي من قبل جماعات وتنظيمات سياسية ذات إسناد إسلامي، تستخدم العنف وسيلة لتحقيق أهدافها.
ومن ثم شهدت دول بمنطقة الشرق الأوسط في العقدين السابقين موجات من التطرف الديني، ترجمت إلى عمليات إرهابية داخل بعض هذه الدول، لتمتد إلى خارجها، وتتخذ طابعا دوليا، مع «تعولم» هذه التنظيمات، خاصة «تنظيم القاعدة».
ومثل هذا الوضع يستوجب ضرورة البحث عن حلول غير تقليدية لمواجهة المتطرفين ومكافحة الظواهر الإرهابية، ومنع ميلاد أجيال جديدة تعتنق الفكر المتطرف أيا كانت طبيعته ومصدره.
وهذه الضرورة يمكن فهمهما في ضوء عدد من التصورات أولها أن الخبرة الدولية تثبت أن اعتماد الحلول الأمنية والعسكرية لمواجهة الإرهاب لا تكفى وحدها لمنع حدوث عمليات إرهابية، كما أنها لا تسهم في علاج الخلل الفكري لدى الإرهابيين، ولا تمنع ظهور أجيال جديدة تحمل أفكارا متطرفة.
وثانيها أن الثورة التكنولوجية الهائلة قد مكنت المجموعات الإرهابية من أن تنشر أفكارها بحرية، بل وتنفذ عمليات إرهابية من دون أوامر رأسية مباشرة تصدر إليها من قيادة بعينها، ومن ثم لا مجابهة للعنف السلفي الجهادي، والتفسير المتطرف للدين، إلا عبر خلق ونشر أفكار مقابلة تحض على الاعتدال والوسطية.
أما ثالثها فإن مشكلة الإرهاب لا تكمن في أن منبعه دول في منطقة الشرق الأوسط، ذلك أن تنظيم القاعدة على سبيل المثال قد تمكن من إيجاد موطئ قدم له داخل القارة الأوروبية، ومن تجنيد مواطنين أوروبيين مسلمين ولدوا وكبروا داخل دول أوروبية، بعضهم هاجر إليها من دول إسلامية، وآخرون أوروبيو الأصل والنشأة.
ورابعها أن كثيراً من الدراسات العربية والغربية قد أثبتت أن ثمة علاقة مباشرة بين انتشار الإرهاب وبين اتباع سياسات عالمية جائرة خاصة في منطقة الشرق الأوسط. وتذهب هذه الدراسات إلى أن الاحتلال الأميركى للعراق، مع عدم وجود حل عادل للقضية الفلسطينية، أدى إلى زيادة درجة الإرهاب.
وهذه المؤشرات تقول بما لا مجال للبس فيه أن تعزيز دور الوسائل غير الأمنية في مكافحة الإرهاب بات ضرورة، من دون إغفال أهمية البعد الأمني تماما، لكن مع ترشيده، كما وكيفا، بما يجعله أكثر فاعلية، ويمنعه من الانزلاق إلى الإضرار بحقوق الإنسان أو تقييد الحريات العامة، في أي مجتمع.
والبحث عن تلك السبل يجب أن يتم على ثلاثة مستويات، قطري وإقليمي ودولي. وعلى المستوى القطري، يجب أن نختبر حجم العلاقة بين الاستبداد والفقر والبطالة وبين انتشار العنف داخل أي دولة، ومدى تأثير افتقاد المنظومة التعليمية والثقافية والإعلامية لقيم التسامح وقبول الآخر في إيجاد بيئة حاضنة للإرهاب.
وعلى المستوى الإقليمي فمن الضروري أن ندرس علاقة تشتت المرجعيات الدينية الإسلامية والخلافات المذهبية والفقهية في نشر الفكر الديني المتطرف، وتأثير غياب مشروع للتجديد الفقهي وإغلاق باب الاجتهاد في إيجاد تربة مناسبة للمتطرفين وأتباعهم،
وكذلك تأثير ضعف إسهام دول منظمة المؤتمر الإسلامي في السياسات الدولية، وعدم تكوين جبهة إسلامية مشتركة للتصدي للإرهاب، في تغذية الفكر المتطرف لدى بعض المسلمين.
أما على المستوى الدولي يجب بناء أنماط من السياسات العالمية غير الجائرة، على مستوى الخطاب والفعل في آن واحد، بما يفض أي احتقان قد يقود إلى الإرهاب، أو يساعد الإرهابيين على تجنيد عناصر جديدة لضرب مصالح دول كبرى، كما يجب تحسين أوضاع الجاليات المسلمة في الدول الغربية، وحمايتها من تنظيمات متطرفة متواجدة في العالم الإسلامي، تحاول استقطابها، وتجنيد أفراد منها،
وتوجيه «الحوار بين الأديان» في تعزيز أسسها المشتركة، ونشر هذا الفهم على أوسع نطاق ممكن، وإرساء القيم الإنسانية المطلقة، مع احترام الخصوصيات الحضارية،
وعدم ربط الإرهاب بدين معين، لأن النظرة التاريخية للإرهاب تقول بجلاء إن من مارسوه قد انتموا إلى مختلف الديانات والمذاهب والأيديولوجيات، وأنهم جميعا، وبدرجات متفاوتة، قد اكتووا بنار الجمود الفكري والاستبداد والإفقار المتعمد والسياسات الدولية الجائرة.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة