تعاني الجمهوريات الموجودة في العالم العربي من مأزق توريث الحكم الذي يفرض نفسه هذه الأيام على خارطة الكثير من الصحف العربية. وبغض النظر عن قبول أو رفض حالة التوريث هذه، وما يجري بشأنها هذه الأيام من تعارضات وصراعات حادة، فإن الأمر اللافت للنظر هنا، أن هناك مستوى آخر من التوريث لم تتناوله الكثير من الأقلام في العالم العربي وهو التوريث على المستوى الشعبي.

فحالة توريث الحكم في الجمهوريات العربية التي حظيت بالكثير من الكتابات المختلفة من جانب الكتاب العرب، هى التتويج النهائي لمبدأ التوريث الشائع في العالم العربي على مستوى القاعدة الشعبية من حيث توريث الوظائف والمناصب المختلفة. فالكثير من النظم العربية قد سمحت بهذا التوريث الشعبي وتغاضت عنه؛ حيث يبدأ التوريث من أعلى المناصب إلى أدناها.

وهناك العديد من الأمثلة التي لا حصر لها يمكن أن تؤكد هذا المستوى من التوريث الشعبي نجدها في الجامعات وأجهزة الإعلام والسلك الدبلوماسي والشركات والهيئات الرسمية وحتى في المهن التي تحتاج إلى مواهب وإبداعات خاصة مثل التمثيل والغناء والرياضة.

وبغض النظر عما تثيره مسألة التوريث في الجمهوريات العربية من شجون وخوف من طبيعة المستقبل المرتبط بها، فإنها تحتاج إلى درجة كبية من الفهم والتحليل لا تنفصل بأى حال من الأحوال عن طبيعة البنيات العربية ومدى الديمقراطية الموجودة بها، والشفافية الخاصة بتسيير شؤونها.

ورغم أن التوريث ذاته مبدأ إنساني تعارفت عليه المجتمعات البشرية، وأكدته الشرائع السماوية، إلا أن التوريث الذي نقصده هنا قد خرج عن حدود المتعارف عليه، وعن حدود الشرائع السماوية. فالتوريث مبدأ يقوم على نقل ملكية خاصة إلى أطراف أخرى قد يمتون بصلة لشخص المُورث أو لا يمتون.

فالمبدأ الواضح هنا والراسخ لفعل التوريث يتمثل في نقل ما نمتلكه، وما يخصنا إلى أى شخص آخر أو شخصية اعتبارية أخرى. فلا يستطيع مثلا أن يورث رئيس البلدية ميدانا عاما لأولاده، لكنه يستطيع أن يورث لهم بيته وأمواله وسيارته. وما يحدث في واقع الأمر في مبدأ التوريث أننا نورث ما لا نملك لأشخاص يخصوننا، مثل أولادنا وأقربائنا وأصدقائنا.

وحتى ينجح مبدأ التوريث فإنه يحتاج إلى درجة كبيرة من القبول الاجتماعي، تتيح لمن يمارسونه ذلك القدر من الاتفاق الجمعي. فالمرء يتغاضى عن توريث منصب ما في إدارته الحكومية لأنه يعلم أن الآخرين سوف يتغاضون عن توريثه لمنصب آخر في المدى القريب.

ولذلك فإننا نجد أن العديد من المؤسسات الحكومية في هذه الجمهوريات بالأساس قد أصبحت مغلقة على أسماء عائلية بعينها، وعلى ما يبدو أن هذه الظاهرة سوف تستمر في ذلك الوضع إلى أن تظهر آفاق جديدة تغير من هيمنة واستقرار بنية التوريث الشعبية في العالم العربي.

ولأن التوريث بشكله الحالي يعتمد على توريث ما لا نملكه إلى من يخصوننا، فإننا نجده منتشراً بشكل كبير في القطاعات الحكومية المختلفة. فلقد درجت الأعراف العربية على اعتبار المؤسسات الحكومية مجرد عزبة خاصة يحق لمن يرأسها أن يفعل ما يريد.

لذلك نجد انتشاراً مثل هذا الشكل بدرجة كبيرة في الكثير من المؤسسات الحكومية الرسمية، من أعلى المناصب حتى أدناها. وفي بعض الجمهوريات العربية تبدأ المسألة من المناصب القيادية المهمة ، وحتى من يقوم بأعمال النظافة وعمل الشاي والقهوة.

تضفي هذه الحالة من شيوع هذا التوريث الشعبي قدرا كبيرا من الرعونة في التعامل مع مؤسسات الدولة، فالجميع يتعامل معها بوصفها مالا سائبا ليس له صاحب، الأمر الذي يطلق يد البعض في إطلاق القرارات كيفما يعن لهم، ومجاملة البعض الآخر حسب الأهواء الشخصية وبغض النظر عن المصلحة العامة.

وربما تزول حالة الإستغراب التي تعترينا من شيوع ظاهرة التوريث بمثل هذا الشكل في الكثير من الدول العربية، إذا ما أدركنا أن أكثر المستفيدين من هذه الظاهرة هم الأبناء. فمن منا يبخل على أولاده بمنصب هنا ووظيفة هناك.

ولأن نوازعنا الأنانية تظهر في أشد أشكالها ضراوة وانتهازية ونحن نؤّمن مستقبل أولادنا، فإن مسألة التوريث هذه متى بدأت فإننا لا نعرف متى تنتهي. واللافت للنظر هنا أن الكثير من الأقلام قد تجاهلت هذه الحالة التوريثية الشعبية، وأطلقت سهامها فقط في مناقشة ومعارضة توريث الحكم.

وربما يتأتي ذلك من كونه أكبر المناصب في هذه الدول العربية، وأكثرها شأنا. لكن رغم ذلك فإن تجاهل هذه الحالة الشعبية من التوريث التي أطلقتها وتغاضت عنها السلطة السياسية ذاتها، يقودنا إلى النتيجة النهائية دون الوقوف عند العلل والأسباب.

هناك حالة من التواطؤ الشعبي التام في هذه الجمهوريات تجاه مسألة التوريث هذه، بل إن الكثير من المعارضين لهذا لمبدأ، يمارسونه ويستفيدون منه. صحيح أن هناك فرقاً بين توريث المناصب الرسمية سواء كبرت أو صغرت وبين توريث الحكم، لكن الأمر المؤكد أن هذا لم يكن من الممكن أن يحدث دون ذاك.

تكشف حالة التوريث عن طبيعة البنية الشعبية في العالم العربي التي تتغاضى عن الكثير من الأمور طالما استفادت منها وتحققت مآربها من خلالها. لذلك فإنه من غير المستغرب ألا تمثل مسألة توريث الحكم مشكلة جماهيرية كبيرة في الدول العربية ذات النظم الجمهورية.

واللافت للنظر هنا أيضا هو لعب الأقليات في بعض الدول العربية على وتر التوريث ومحاولة تعظيم مكاسبها من ورائه. وأغلب الظن أن ملف التوريث سوف يستمر طالما يتم التعامل معه من أجل تعظيم المكاسب لجميع الأطراف شعبيا ونخبوياً ورئاسياً.

كاتب مصري

alyusefi@hotmail.com