الكيل بمكيالين، تجاه القضية الفلسطينية، سياسة أميركية ثابتة ومتوارثة. مارستها الإدارات المتعاقبة، على البيت الأبيض بدرجات، إدارة بوش الحالية ضربت الرقم القياسي فيها. وأمس كان الذروة، ففي ذات اللحظة التي بعث فيها الرئيس بالتهنئة لأولمرت على فوزه مع توجيه الدعوة له لزيارة واشنطن؛ كان يصدر أوامره وتعليماته بمنع أي اتصال من أي نوع مع وزارة هنية.

ولشدة استعجاله، حرص على إبلاغ قرار المقاطعة هذه إلى كافة المسؤولين وحتى المتقاعدين الأميركيين؛ فور انتهاء الحكومة الفلسطينية الجديدة من أداء اليمين الدستورية. وحتى لا يحصل أي تأخير في التبليغ حرص أيضاً على تعميمه بالبريد الإلكتروني. استثنى من المقاطعة مكتب الرئيس الفلسطيني والوزراء المستقلين من غير «حماس» وهو استثناء ملغوم في قراره أكثر من رسالة.

ـ معاقبة للفلسطينيين على اختيارهم السياسي.

ـ تصنيف للقوى الفلسطينية بين مقبول ومعزول.

ـ إعطاء ضوء أخضر مبكر لأولمرت كي يمضي في مشروع ترسيم الحدود من جانب واحد وفرضه كأمر واقع على الشعب الفلسطيني.

طبعاً دعوة الرئيس بوش للفائز الإسرائيلي إلى اللقاء معه في البيت الأبيض، ليس فيها من جديد، صارت بمثابة تقليد، وكذلك إبلاغه التهاني وطبعاً لم يكن من المتوقع أن يتم التعامل مع الطرف الفلسطيني، بمثل هذا التقليد خاصة مع حكومة «حماس».

ذلك مفهوم ولو أنه ازدواجية فاقعة. لكن ما هو غير مفهوم، بمقاييس الإنصاف وعدم جواز استباق الأمور، أن تسارع الإدارة الأميركية إلى فرض القطيعة على الحكومة الفلسطينية الجديدة ورفض منحها أية فرصة ثم الحكم عليها بعد ذلك.

ويزداد العجب، عندما تكون هذه الحكومة قد جاءت إلى السلطة عن طريق انتخابات، اعترف الجميع بشفافيتها ونزاهتها. بل أيضاً عندما تكون مثل هذه الممارسة منطبقة على ما تدعو إليه إدارة بوش وتزعم أنها تعمل على تعميمه في العالم. من ترسيخ لقيم الديمقراطية وتعبيراتها؛ وبالذات الانتخابية منها.

وربما كان التزامن، بين الخطوتين البوشيتين، مصادفة من حيث التوقيت؛ لحصولهما في يوم واحد. لكنها مصادفة تنطوي على أكثر من مدلول. فمقاطعة حكومة حماس المنتخبة تعني صرف النظر عن «خارطة الطريق»، بقدر ما تعني احتضاناً لمشروع الفصل الأحادي الجانب.

وهو الفصل الذي لا يقدم للفلسطينيين سوى «دولة»، يمعن فيها المقص الإسرائيلي تقطيعاً؛ بحيث تأتي ـ إذا أبصرت النور ـ معدومة العافية.. والقابلية للحياة. كما تعني هذه المقاطعة، مع إعفاء الرئيس الفلسطيني والوزراء المستقلين منها، أن هناك إصراراً على دق إسفين الخلاف بين الحكومة والآخرين؛ في محاولة لتأليب الوضع الفلسطيني على بعضه.

وهي محاولة مستمرة منذ سنوات؛ تغيب وتتجدد بطرق ومداخل مختلفة باختلاف الظروف والفرص المواتية لها.حتى الآن أثبت الوضع الفلسطيني أنه يمتلك مناعة كافية ضد مثل هذه الوقيعة. تواصل حلقات العملية السياسية بالسلاسة التي رافقتها، منذ الانتخابات وحتى أداء اليمين للحكومة «الحماسية» الجديدة؛ علامة قوية من علامات هذه الحصانة.

لكنه في الوقت ذاته، مسؤول عن عدم سد المنافذ التي من خلالها تنفخ رياح اللعب على التناقضات الفلسطينية. وبالذات التناقضات السياسية التي كان يقتضي تجاوزها وتغليب موجبات التحالف الوطني الشامل لمواجهة التحديات المصيرية التي تواجهه والتي بات استحقاقها على الأبواب.

الوضع الفلسطيني أمام خلطة من الابتزاز والاستفزاز والتهديد المصيري. ترتيب شؤونه وتعزيز ما يملك من أوراق الصمود، باتا في منزلة الأولوية المحتومة التي لا تقبل التأجيل. وعلى رأسها ورقة وحدة المشروع، على أرضية الصيغة الجبهوية الوطنية التي تتسع للجميع.