القضية الفلسطينية مرت في مراحل كثيرة ومتنوعة، وهي في كل حقبه من الزمن تدخل في مرحله تختلف عن المرحلة التي سبقتها، وفي ذات الوقت بقي الشعب الفلسطيني هو الشعب المظلوم .
وهو المادة التي تحترق وهو الذي يتخذ شعاراً للسياسيين المحليين والدوليين، هذا الشعب المظلوم المغلوب على أمره تشرد وانفرطت سلامته الاجتماعية وهجر وقهر وجاع وهدمت منازله وابتلعت أراضيه دون ذنب يقترفه سوى أنه شعب عربي فلسطيني.
وهو الذي جاهد بالغالي والنفيس من أجل كرامته وأرضه وشرفه وعروبته وقدم أرواح أعز ما عنده من أجل تحرير أرضه وتوفير الأمن والعيش على أرض حرموا منها لأجيال طويلة.
وهكذا هو الشعب الفلسطيني الذي يستحق الآن وأكثر من أي وقت الوقوف معه ومداواة جراحه ومساعدته في بناء بنيته الاجتماعية والاقتصادية وصولاً إلى تمكينه من إقامة دولته.
وهكذا أختط ساسته ووضعوا سلاحهم جانباً لتبدأ مرحله سياسية مهمة في حياة الفلسطينيين فكانت نتائجها تلك القرارات الدولية التي جاءت ابتداء من أوسلو وغيرها من القرارات التي وضعت بدايات تكوين دوله فلسطينية ديمقراطية.
فكانت هناك تفاعلات ايجابيه تجاه القضية وكسبت تعاطفاً دولياً وكان يمكن أن تكون النتائج أفضل بكثير لو كانت كافة الفصائل الفلسطينية متوحدة في السلوكيات السياسية المعاصرة للقضية، غير أن الذي عكر صفو هذا التقدم السياسي في القضية الفلسطينية التباين في مواقف بعض الفصائل التي آثرت حمل السلاح على الدخول في العملية السياسية.
مما اتخذتها إسرائيل ذريعة للتنصل من بعض القرارات والاتفاقيات بحجة حماية أمنها وحدودها من هذه الأعمال وكانت نتيجتها الجدار الفاصل وعدم تطبيق خارطة الطريق مما جعل معه تأخر إعلان دولة فلسطين وعدم اكتمال بنيتها التحتية.
حركة حماس وهي المعروف عنها حركة مقاومة للاحتلال لها قراءاتها الفكرية وهي بذلك سلكت طريق المقاومة المسلحة رافضة قرارات أوسلو وأية قرارات من شأنها الاعتراف بإسرائيل وشعارها هو القضاء على إسرائيل وعدم التفريط بأي جزء من تراب فلسطين، فهي بذلك كانت بنفس الخط مع فتح في مرحلة زمنية ما.
وعندما وجدت فتح أن هذا الخط لا يفي بمتطلبات شعبهم تحولوا إلى السياسة وحققوا بعض المكاسب الايجابية التي يتمتع بها الشعب الآن، غير أن حماس رفضت بل إن أفكارها التي أصبحت مضادة لأفكار فتح في مرحله لاحقة عرقلت العملية السياسية في المنطقة.
وبذلك بقي جوهر القضية وهو الشعب الفلسطيني يعاني نتيجة هذا الخلاف بين الفصائل الفلسطينية غير أن حماس الرافضة للقرارات الدولية ومنها قرارات أوسلو أخذت تغير من مواقفها شيئاً فشيئاً حيث أقدمت على تطبيق قرارات أوسلو دون الاعتراف بها!!
وتجلى ذلك من خلال دخولها معترك الانتخابات التشريعية والفوز بها ومن ثم تشكيل الحكومة الفلسطينية بواجهة حماسية خالصة مع تمسكها بأفكارها السابقة التي بدأت لا تستقيم مع وجودها في السلطة ولا تتوافق أساساً معها.
والسؤال الذي يطرح نفسه إذا كانت حماس لا تعترف بالقرارات الدولية بشأن قضية فلسطين ومنها قرارات أوسلو فلماذا إذن تسلقت السلم وصولاً إلى السلطة ؟ خصوصاً إذا ما عرفنا أن الانتخابات الفلسطينية ووضع السلطة في وضعها الراهن إنما كانت إحدى مقررات أوسلو التي ترفضها حماس ظاهراً وتنفذها ضمناً.
إن خلخلة الوضع السياسي في المنطقة والتضاد الفكري العملي للفصائل الفلسطينية أثر بشكل فعال على الشعب الفلسطيني مما تمخض عنه وصول حماس إلى المجلس التشريعي وبالتالي تشكيل الحكومة، ونفهم من هذا أن البرنامج الذي طرحته حماس أثناء الانتخابات جاء في ظروف مواتيه لها للظفر بالفوز على حساب وضع المنطقة التي شاركت هي في خلقه وخلخلته وتراجع شعبيه فتح وردة فعل الشارع الفلسطيني من تأخر عجلة السلام .
وفور إعلان فوز حماس بالانتخابات التشريعية اشتعلت معها حرب التصريحات والمواقف المتشددة سواء من حماس أو إسرائيل أو من بعض سياسيي دول العالم الذين بدأوا يهددون حماس عن طريق تجويع الشعب الفلسطيني، اذن عدنا إلى الأصل .
وهو الشعب الفلسطيني الذي يجب عليه أن يدفع الضريبة في كل مرحله بسبب قراءات خاطئة سواء كانت هذه القراءات صادرة من قيادته أو من الجانب الآخر (إسرائيل)، وفعلاً تم استخدام هذا السلاح الفعال ضد حماس التي بدأت تتراجع أو تلين في قراراتها قبل تشكيل حكومتها.
وحماس تعلم قبل غيرها أن هناك معادله طرفيها فلسطين وإسرائيل وأن الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية جعلت الطرف القوي في هذه المعادلة هو إسرائيل والطرف الضعيف هو الشعب الفلسطيني الذي ذاق الأمرين .
وهذا واضح للعيان من خلال وضع الأراضي الفلسطينية داخل سجن كبير محاط بجدار عازل والذي نعرف أسباب قيامه، وأن كل ما يدخل ويخرج إلى فلسطين يمر عبر بوابات إسرائيلية ضماناً لأمن دولة إسرائيل المدللة .
الفكرة التي نريد أن نصل إليها أن الضعيف عليه أن لا يقارع القوي في هذه المرحلة على الأقل وليستفيد من تعاطف الآخرين معه وعندما يقوى الضعيف يكون عندها لكل حادث حديث وهذا ما لم يفهمه الكثير من الداخلين في اللعبة إلا بعد أن يعرض شعبه إلى القهر والجوع فيفطن إلى خطأه ويعود يصحح وهكذا .
وفعلاً بدأ واضحاً على حماس من أول جولة تلقت فيها تهديدات بدأت تغير من طريقة تعاملها مع الواقع الحالي فقد أكدت هذه الحركة عدم ممانعتها إقامة دولة فلسطينيه على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 كخطوه مرحليه دون الاعتراف بشرعية إسرائيل.
مما دفع اللجنة الرباعية تحث حماس على اتخاذ مواقف إيجابية في برنامجها الحكومي القادم وشرعت الباب مفتوحاً أمامها لدخول اللعبة السياسية وفق أصولها العالمية المفروضة على الشعب الفلسطيني.
ومن خلال الظروف الانتخابية المعروفة والتي أوصلت حماس إلى دفة الحكم فيكون على الحكومة التي شكلتها حماس أن تعرض برنامجها الحكومي للاستفتاء الشعبي في فلسطين.
وعلى الشعب أن يقرر ما إذا كان يؤيد برنامج حكومة حماس الحالي أم يرفضه وسيكون للشعب القول الفصل في هذا الموضوع، فإذا وافق الشعب الفلسطيني على برنامج حكومة حماس يكون لزاماً للرئيس الفلسطيني الموافقة على الحكومة وبرنامجها.
وكذلك تمنح الثقة لها من المجلس التشريعي فإذا ما تعرض الشعب الفلسطيني إلى تجويع وقهر لا سمح الله فيكون ذلك من مسؤولية الشعب وليس حماس إما إذا لم يوافق الشعب الفلسطيني على هذا البرنامج فيكون أمام حماس خيارين أما تعديل برنامج حكومتها وفق القرارات الدولية أو تترك كراسي الحكومة لغيرها لتنفيذ رغبة الشعب الفلسطيني .
أما في المرحلة الحالية وفيها تريد حماس أن تفرض برنامج حركتها على الشعب الفلسطيني والفصائل الفلسطينية الأخرى فإن ذلك سيدخلها في دوامه لا مخرج منها إلا بعد تعرض الشعب الفلسطيني إلى أذى خصوصاً أن حماس تراهن على مساندتها ببعض الأطراف الإقليمية والعربية.
إلا أن الواقع والتجارب أثبتت أن فاعلية هذه المراهنة ضعيفة وغير فعاله مما يستوجب التوقف عندها والتأمل والتفكير بمصير شعب عانى لعقود كثيرة بلا ذنب ولا سبب.
قانوني وكاتب إماراتي
rashid.shabib@binshabib.ae
