«كاديما» بات في طريقه إلى السلطة. «حماس» صارت في السلطة. أولمرت وعد، بعد إعلان فوزه في الانتخابات، بتشكيل حكومة، في غضون أيام، وزارة حماس فازت بثقة المجلس التشريعي وتؤدي، اليوم، اليمين الدستورية.

الآتي إلى الحكم في تل أبيب يحمل في جيبه مشروع شارون: ترسيم حدود نهائية لإسرائيل وفصل أحادي تعسفي مع الفلسطينيين. كل ما لديه خيار واحد يضع الفلسطينيين أمامه القبول بمشروعه، المفصّل على قياسات إسرائيل ومستوطناتها وإلا المضي بالمخطط المرسوم.

الجانب الفلسطيني ـ في الحكم وخارجه ـ رفض الخيار. نقطة ضعفه أنه مقسوم سياسياً إلى خندقين، كلاهما يحمل مشروعه الخاص في ضوء ذلك باتت ترتسم اللوحة كالتالي:

الناخب الإسرائيلي، باختياره «كاديما»، استدار باتجاه نسف «خارطة الطريق» وكل ما سبقها من اتفاقيات. أولمرت لا يقيم وزناً لأي طرح مغاير لمشروع أستاذه شارون.

الناخب الفلسطيني جاء بحكومة، رفضت إعلان التزامها الصريح بالاتفاقيات السابقة ـ مشروع الفصل قضى على ما بقي حياً منها، إذا كان هناك من حي ـ فكيف بخيار الفصل من جانب واحد، الذي يقضم قسماً مهماً من أراضي الضفة.

القمة العربية أعطت الجانب الفلسطيني ما لا يسمن ولا يغني من جوع: رفض وضع حدود من جانب واحد، مع الدعوة لإحياء المفاوضات واحترام نتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة وعدم معاقبة الشعب الفلسطيني على انتخابه «حماس». هذه هي حدود الوضع العربي المعروفة حالته ومحدوديته.

الموقف الأميركي: حدّث ولا حرج عن مدى احتضانه للمشروع الإسرائيلي. حتى اللحظة لم يصدر عن إدارة الرئيس بوش أي تلميح اعتراضي على خطة الفصل من جانب واحد. مع أنها طالما رددت أن الحدود هي موضع تفاوض، ولا يجوز استباق النتائج من أي طرف. الآن تبدلت اللهجة.

أبعد ما يمكن أن تذهب إليه هو التحدث بلسانين، عن الفصل، مع الحرص على إبداء «التفهم» لسياسة أولمرت. والذريعة جاهزة «حماس» في السلطة؛ التي قررت واشنطن ألا تعطيها أية فرصة حكمت عليها مسبقاً وتجاهلت تبشيرها بالديمقراطية وتشديدها على أهمية الاحتكام إلى آلياتها.

الرباعية، غائبة عن الصورة من زمان. واشنطن تتحدث وتتصرف نيابة عنها.

الأمم المتحدة، مغيّبة هي الأخرى، بعد أن جرى تعطيل دورها ومصادرته من جانب إدارة الرئيس بوش.

في ضوء هذه الحقائق، كيف يتصرف الوضع الفلسطيني والكرة في ملعبه؟

ليس سراً أن البيت الفلسطيني يعيش إشكالية داخلية مزمنة.

لم تحصل محاولات جادة لتجاوزها. المحاولات التي جرت قامت على أساس سعي كل طرف فلسطيني لتسويق سياسته وبرنامجه بالكامل وإلا فلا. مقاربة التحالف المرحلي المبني على ملاقاة الآخر في منتصف الطريق لم يكن لها مكان. لذا سادت الأجواء الفلسطينية علاقات تصفية الحسابات وتسجيل النقاط. وهي حالت دون تأليف حكومة ائتلافية.

وقد تفاقمت هذه العلاقات بعد مجيء حكومة اللون الواحد. علماً بأنه كان من شبه المؤكد أن الأمور تسير في الاتجاه الذي انتهت عنده الآن، بعد الانتخابات الإسرائيلية. لكن الماضي مضى.

وربما تكون لقساوة الظرف وضيق مساحة الحركة فيه ما يحمل الوضع الفلسطيني على إعادة حساباته وسيناريوهاته؛ بحيث يرجع إلى ذاته، فيترك الخلافات جانباً وبما يمكنه من صياغة جبهة وطنية جامعة لمواجهة ما ينتظره من تحديات. عند ذاك لا يتعزز وضعه الداخلي فقط بل يكون من خلاله أكثر قدرة على استنفار الدعم لقضيته في كل الساحات.