لم يكن أحد يعرف أن هناك أفغانيا يدعى عبد الرحمن قد ارتد عن الإسلام، واعتنق المسيحية منذ 15 عاما، ويحاكم في كابول بتهمة «الردة» غير ان الرئيس الأميركي جورج بوش، تولى مهمة اشاعة الخبر.
وتحويل الواقعة إلى مشكلة دولية، تتطلب تدخله الشخصي لإنقاذ هذا الافغانى «المخبول» حسب ما صورته السلطات في كابول، ربما للخروج من مأزق الضغوط الأميركية، التي بلغت حد ان يتفرغ بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس لإجراء اتصالات هاتفية مع رئيس أفغانستان حامد قرضاي، وتوجيهه إلى ضرورة انقاذ حياة المرتد ووقف تنفيذ حكم الإعدام بحقه.
اشكالية الافغاني المرتد تلخص الحالة الدولية الراهنة، حيث بلغت التدخلات الخارجية مستوى استباحة كل حدود الاستقلال الوطني، والاستهانة بخصوصية الدول وقيمها ودينها، طبعا، دول منظومتنا العربية الإسلامية.
لأنها الجبهة الأضعف في ساحة الصراع الجاري، والذي يرسم خريطة الصدامات الحضارية المقبلة، والتي سيكون الإسلام في القلب منها.
لادراك خطورة رمزية التدخل الأميركي لإطلاق سراح الافغاني المرتد، نذكر بأنه لم يسبق ان تدخل احد بمستوى رئاسي، او حتى من جانب «الفاتيكان» علنا وبهذه الصورة في أمر يخص حماية «المسلم المرتد» حال اعتناقه المسيحية، وغالبا ما كان الأمر يترك للسلطات المحلية، للتيقن بأنه لم يخضع لعملية اغواء تبشيري، أو ضغط حتى يتخلى عن دينه.
على ان التدخل الاميركي لم يقتصر فقط على مستوى الإدارة أو البيت الأبيض ووزارة الخارجية بل تعداه إلى وسائل الإعلام وكبريات الصحف، التي تسابقت في نشر المقالات والافتتاحيات دفاعا عن المرتد الافغاني عبد الرحمن.
وكأن القضية أصبحت محورا يهدد السلام والأمن الدولي، بدرجة اخطر من ملف الأسلحة النووية والنزاعات التي تجعل عالمنا وكأنه يخوض حروبا أهلية باتساع خريطته.
ففي افتتاحيتها يوم 23 مارس الجاري طالبت صحيفة الواشنطن تايمز بالحرية لعبد الرحمن، واعتبرت ان دماء الجنود الأميركيين الذين قضوا في الحرب ضد نظام طالبان، سيكون قد أهدر هباء لو لم يتحرر عبدالرحمن، وان هؤلاء ضحوا بحياتهم من اجل الديمقراطية والتسامح وحرية الأديان.
ووضعت «الواشنطن تايمز» يدها صراحة على مكمن الخطر والقنبلة الموقوتة التي ستفجر الحروب القادمة، بقولها ان جوهر مشكلة عبد الرحمن وأفغانستان هي ان القيادات الدينية والقبلية اجبرت حامد قرضاى على تضمين الدستور الافغانى مادة تقر بان الشريعة الإسلامية هي دين أفغانستان، واعتبرت ان قرضاى اضطر لقبول ذلك حتى لا ينفرط عقد حكومته، وتجنب أزمة صياغة الدستور.
ببساطة، تظهر اشكالية الافغانى المرتد اننا مقبلون على مواجهات صعبة، تستهدف اجبار أنظمتنا وحكوماتنا على الرضوخ للأجندة الغربية، تارة باسم محاربة الإرهاب.
وأخرى باسم حماية الحريات الدينية، وحقوق الإنسان، وهى كلها شعارات «حق» يراد به باطل، وإلا كيف تختفي هذه الحمية دفاعا عنها عندما يتعلق الأمر بحرياتنا نحن وحقوق العرب والمسلمين؟!
على سبيل المثال لا الحصر،أين كانت هذه الضغوط في مواجهة الاعتداءات اليومية من جانب المتطرفين الصهاينة ضد مسلمي ومسيحي فلسطين، تلك الاعتداءات التي لم تسلم منها كنيسة المهد او المسجد الأقصى، وأين كانت هذه الحمية الدينية عندما دنس الجنود الأميركيون المصاحف ووضعوها في مراحيض معتقل غوانتانامو السيء الذكر.
لكن الحقيقة التي لا مجال للهروب من الاعتراف بها، ان المطلوب من أنظمتنا وحكوماتنا اكبر من قدرتها على التنازل، لان قائمة المطالب لن تقف إلا عند حد التخلي عن الهوية والدين والعقيدة.
وهى صورة احدث من صور حروب الإبادة الشاملة لم يعرفها العالم إلا في ظل غزوات التتار المغول أو حروب «اليانكى» ضد الهنود الحمر.
ومن المؤكد ان هذه الأمة لن يتكرر معها هذا الدرس البغيض، لأنها تمتلك من الإرادة والقدرة على التجاوز أكثر مما يظن ثلة المحافظين الجدد أو «اللوبي» المناصر للطغمة الصهيونية هناك، أو الإمعات الملتحقين بهم في أقطارنا.