حمّل محمود عباس رئيس السلطة، ورئيس منظمة التحرير، حركة «حماس» مسؤولية الإخفاق في تشكيل حكومة وحدة وطنية، وذلك في رسالته الجوابية (25/3)، إلى رئيس الحكومة المكلّف إسماعيل هنية.
والمتعلقة بتشكيل الحكومة وبرنامجها السياسي، كما عاود مطالبتها بالأخذ ببنود «كتاب التكليف»، لتصويب الأمور، لاسيما بما يتعلق باحترام تعهدات السلطة واتفاقاتها والقانون الأساسي ووثيقة الاستقلال والتزام الشرعية الدولية وقرارات القمم العربية.
صحيح أن أبو مازن أكد، في رسالته، تمسكه بسلامة العملية الدستورية، وضمن ذلك إتاحة المجال أمام الحكومة «الحماسية» لإدارة السلطة، إلا أنه بنفس الوقت أكد على دور مؤسسة رئاسة السلطة، في مراقبة أداء الحكومة.
وفق الصلاحيات المنصوص عليها في القانون الأساسي، كما أكد على دور المنظمة باعتبارها المرجعية العليا للسلطة الفلسطينية، والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن وفي أماكن اللجوء والشتات.
من جهتها ترد حماس على هذه الادعاءات باعتبار أن من حقها تطبيق برنامجها، الذي انتخبت على أساسه، وأن حكومتها تستمد شرعيتها من المجلس التشريعي، وأن أوضاع منظمة التحرير بحاجة إلى إعادة صياغة (الأمر الذي لم يحصل حتى الآن، وأنها ستلتزم الاتفاقات التي تخدم مصالح الشعب الفلسطيني.
هكذا باتت الساحة الفلسطينية عرضة لتجاذبات متعددة، بين حركتي «فتح» و«حماس»، في المجلس التشريعي، وبين مؤسستي الرئاسة في السلطة والمنظمة، في الرسائل المتبادلة بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة المكلّف إسماعيل هنية، وأيضاً بين كياني المنظمة والسلطة، في رفض اللجنة التنفيذية للمنظمة لبرنامج «حماس» الحكومي.
هذا إضافة للتجاذبات المتوقّعة بين «حماس» والفصائل الأخرى، بعد تشكيل حكومة «حمساوية» خالصة، نتيجة عزوف القوى الأخرى عن التعاون مع «حماس» في إدارة السلطة.
ولا شك أن من شأن هذه التجاذبات خلق حالة أزمة في النظام السياسي الفلسطيني السائد، في حال عدم السيطرة عليها، وعدم التمكن من حلها أو تجاوزها.
وتكمن مشكلة «حماس» في أن فوزها في الانتخابات لم يكن كاملاً، على الرغم من تكليفها بتشكيل الحكومة، فهي باتت تقف في مواجهة واقع من ازدواجية السلطة، بحكم وجود «فتح» في رئاستي السلطة والمنظمة.
وهيمنتها على أجهزتهما، وبواقع تشكيل «فتح» لكتلة مانعة في المجلس التشريعي تحول دون تمكين «حماس» من تمرير قوانين أساسية.
والحاصل أن هذه الانتخابات أنهت تفرّد فتح بالسلطة ولكنها لم تمكّن حماس، أيضاً، من التفرّد بها، كما أنها تمخّضت عن انقسام الفلسطينيين بين هاتين الحركتين، ما يضعف مسار التنوع والتعددية والديمقراطية لديهم.
وإضافة لكل ما تقدم تبدو «حماس» في مشكلة أخرى، في المرافعة التي تحاول من خلالها الدفاع عن خطاباتها وممارساتها، فهي، مثلا، لا تستطيع التنصّل من الاتفاقات التي وقّعتها السلطة، وضمنها اتفاق أوسلو (1993)، على الرغم من كل الاجحافات الكامنة فيها، على اعتبار أن السلطة التي سترأس حكومتها هي نتاج هذا الاتفاق.
وهي لا تستطيع، أيضا، أن ترفض مرجعية منظمة التحرير، باعتبار أن هذه المنظمة (على علاتها) هي التي وقعت اتفاقيات قيام السلطة، كما أن هذه المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم.
بالإجمال فإن حماس معنية، بإنضاج تحولها من المعارضة إلى السلطة المسؤولة، ومن حيز الشعارات والأماني، إلى حيز الواقع والممكن، من خلال السعي لوضع حد للتناقض في تعاملها مع السلطة والمنظمة، فهي لا تستطيع أن ترفض هذين الكيانين، وأن تقبل بهما، على مزاجها وفي الوقت الذي تريد.
لأن ذلك يضعف دورها القيادي في الساحة الفلسطينية. لكن من البديهي أنه من حق «حماس» رفع السقف التفاوضي الفلسطيني وتجاوز الجوانب السلبية من الاتفاقيات، والتمسك بالحقوق الفلسطينية، في إطار برنامج الإجماع الوطني، كما أنه من حق «حماس»، العمل على إعادة صياغة منظمة التحرير وتفعيل دورها في الساحة الفلسطينية.
في هذا الإطار فإنه يؤخذ على «حماس» أنها غالبا ما تستجيب للمبادرات الخارجية، المتعلقة ببعض الصيغ السياسية أو المتعلقة بالتهدئة، في حين أنها لا تستجيب لذلك في تلبية للحاجات الداخلية.
كما بات يؤخذ على «حماس»، أنها أضحت تجنح للواقعية السياسية وللتهدئة مع إسرائيل، بعد أن أصبحت في سدّة السلطة، في حين أنها حينما كانت في المعارضة، دأبت على أخذ الشعب الفلسطيني بالاتجاه الذي تريد، وعملت على توتير الصراع مع إسرائيل، إلى أقصى حد.
وبما يفوق إمكانات الفلسطينيين. إزاء هذا الوضع، الذي باتت فيه حركتا «حماس» و«فتح» تتجاذبان السلطة والقيادة، في ظل غياب القوى الأخرى، التي يمكن لأي من الحركتين أن تتكئ عليها، وفي ظل الضغوطات الخارجية، يبدو الوضع الفلسطيني محكوما بالاحتمالات التالية:
أولاً ـ استمرار واقع ازدواجية السلطة بين مؤسستي رئاسة السلطة والحكومة، وبين المنظمة والحكومة، بحيث تتولّى مؤسستا رئاسة السلطة والمنظمة صلاحيات المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي.
بكل تبعاتها السياسية والأمنية والتجارية (المعابر التجارة المعاملات المالية)، في حين تتولى حركة حماس إدارة الشؤون الحكومية الأخرى. ولا شك أن هكذا وضع يتطلب حدا معينا من التفاهم والتعاون والتكامل بين مؤسستي الرئاسة وبين حركتي فتح وحماس.
ثانيا، وجود واقع لا تستطيع فيه «حماس» الاستمرار بإدارة الحكومة منفردة، بحكم رفضها الالتزامات المتوجّبة على السلطة المفترض أن تترأس حكومتها، وعدم تجاوبها مع مطالب اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، التي تعتبر بمثابة مرجعية عليا للسلطة.
في هكذا حال يمكن أن يلجأ الرئيس محمود عباس إلى استخدام صلاحياته الدستورية، بتشكيل حكومة تسيير أعمال مؤقتة، أو «حكومة طوارئ»، إلى حين إيجاد حل مناسب لهذه المعضلة؛ إما بإيجاد معادلة تتيح لحماس مخرجا من هذا المأزق بمصطلحاتها الخاصة، أو بتشكيل حكومة «وحدة وطنية» أو حكومة «تكنوقراط».
ثالثا ـ في حال استعصاء الأزمة السياسية، بنتيجة إصرار حركة حماس على مواقفها، وإصرار فتح على عدم التسهيل عليها، للخروج من هذه الدوامة، يمكن أن يتوجّه رئيس السلطة إلى الشعب، وذلك باقتراح إجراء استفتاء بشأن حل المجلس التشريعي والإعلان عن تنظيم انتخابات مبكّرة، للرئاسة وللمجلس التشريعي في آن معا، لحسم الوضع، والخروج من هذا المأزق.
رابعا ـ يبقى ثمة خشية من قطع طريق حماس نحو القيادة والسلطة، بوسائل انقلابية أو عنيفة، مصدرها شيوع الفلتان الأمني والفوضى السياسية في مناطق السلطة، وتفاقم ظاهرة القادة المحليين للمجموعات المسلحة، على حساب القيادة السياسية. ولا شك أن سيناريو التعاون والتكامل بين فتح وحماس (مع قوى أخرى) هو الأفضل للفلسطينيين، لكن السيناريو الانقلابي الأخير هو الأسوأ للفلسطينيين.
والأفضل بالنسبة لإسرائيل، لأنها تتمكن عبره من تقويض مكانة القيادة الفلسطينية وإضعاف شرعيتها داخليا وخارجيا، كما يسهل عليها سعيها لإبراز قادة محليين من زعماء الميليشيات للتفاهم معهم.
وبالمحصلة فإن هذا الوضع يتيح لإسرائيل التملص من استحقاقات عملية التسوية، وتمرير مخططاتها بشأن فرض التسوية الأحادية وفق حاجاتها وأولوياتها. المهم أن النظام الفلسطيني بات يواجه معضلة سياسية ينبغي من الجميع أن يتعاون على حلها،.
في إطار من التكامل والتعاضد، بعيدا عن التنافسات الفصائلية الضيقة، وبما يخدم مصالح الفلسطينيين، وبما يفوّت على إسرائيل استهدافاتها الرامية لشطب الرقم الفلسطيني من المعادلة السياسية، عبر سعيها المحموم لإلغاء الكيانية الفلسطينية، أو تهميشها، سواء تمثلت بالمنظمة أو بالسلطة.
كاتب سياسي
mkayali@scs-net.org
