هل باتت القمم العربية مضيعة وقت وتبديداً للمال وان فائدتها الوحيدة تكمن في أنها تذكر الشعوب العربية والأجيال العربية القادمة بالمعضلات الكبيرة التي تواجهها؟
هل يدرك القادة العرب أن سياسات «التهدئة» أو «الاحتواء» أو «اللامبالاة» اتجاه القضايا السياسية المصيرية في العالم العربي لم تعد صالحة في ظل عالم متعولم قائم على منطق القوة والتحالفات؟
هل اتخاذ قرارات مشابهة لقرارات القمم السابقة وعلى مدار العقود الماضية في ظل سياقات إقليمية ودولية شهدت العديد من المتغيرات الدراماتيكية وفر الأمن والاستقرار للمنطقة العربية؟
وهل تكفي لغة التنديد والرفض واللاءات أو الوعود وخلق أجواء من التفاؤل لحل قضايا شديدة التعقيد وما زالت عالقة؟ تساؤلات كثيرة واستفسارات أكثر نود أن نوجهها إلى قادتنا العرب من منطلق الحرص والخوف والقلق على مصائرنا في منطقة مازلنا نسميها العالم العربي.
في الوقت الذي يسعى الأجنبي بكل أنواعه وخلفياته والقريب منه والبعيد على استبداله بعالم آخر اسمه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو الشرق الأدنى أو الشرق الأوسط الكبير، مستهدفاً القضاء على جغرافية الهوية العربية التي أضحت الورقة الأخيرة التي تجمعنا وتوحدنا.
نعم إنها فقط الجغرافيا وليس أي شيء آخر لأن العرب فشلوا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً واستراتيجياً منذ قمة الخرطوم الأولى بعد هزيمة يونيو 1967 وحتى قمة الخرطوم الأخيرة في مارس 2006 في تحقيق الأهداف المعلنة والمتفق عليها بإجماع وتطبيق القرارات التي تم اتخاذها، علماً أنها أهداف كانت ولا تزال عادلة ونبيلة ومشروعة وطموحة.
عقدت القمة الأولى من أجل فلسطين والعمل العربي المشترك والدفاع العربي المشترك وصيانة الأمن العربي من المحيط إلى الخليج. أما القمة الأخيرة فقد عقدت دون أن يتحقق أي شيء وفي ظروف عربية أكثر مأساوية وأكثر تعقيداً.
أولاً: إن أرض فلسطين التاريخية أصبحت أرضاً إسرائيلية باستثناء بعض الأراضي التي تعلن إسرائيل عن نيتها بالانسحاب منها بشكل آحادي وهذه الأراضي لا تشكل أكثر من 60% من أراضي الضفة الغربية أو ما يعادل 10% من أرض فلسطين التاريخية وبدون القدس التي يفترض أنها عاصمة للدولة الفلسطينية.
وهذا يعني أن دولة فلسطينية لن تقوم ولن يكون هناك حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، الأمر الذي يقودنا إلى الاستنتاج أن إسرائيل ما زالت، بل وعازمة، على إحياء مشروع الوطن البديل في الأردن إضافة إلى بعض الأراضي في الضفة الغربية التي تنوي إسرائيل الانسحاب منها. ولا غرابة إذا اكتشفنا أن الولايات المتحدة لا تمانع مثل هذا الأمر.
كما انه ليس عجباً أن نسمع بين الفينة والأخرى أصواتاً إسرائيلية تقول ان الأردن هو فلسطين وأن الملك عبد الله سيكون آخر ملوك الأردن. هذه الأصوات الإسرائيلية لم تعد حصراً على المتشددين والمتطرفين في إسرائيل بل أصبحت تتردد بين مسؤولين سياسيين ذوي خلفيات سياسية مختلفة يسارية ويمينية.
إن قمة الخرطوم اكتفت بالتأكيد على أن الموقف العربي يرفض الحلول الجزئية والإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب باعتبار أنها تؤدي إلى منع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، وتقوض الجهود العربية والدولية المبذولة في إطار المبادرة العربية للسلام.
وكان الأجدر أن تصدر القمة العربية قراراً بدعم كل أشكال المقاومة في فلسطين وتقديم الدعم للشعب الفلسطيني لا سيما وأن الشعب الفلسطيني لم يعد يطلب الجيوش العربية ولا السلاح العربي .
وإنما الدعم السياسي والمالي والمادي لتمكينه من الصمود والتصدي للاحتلال الإسرائيلي. إن الدعم المالي والاقتصادي العربي للشعب الفلسطيني يجب أن يكون بدون شك الحد الأدنى الذي لا تنازل عنه تحت أي ضغوط خارجية حتى يتمكن الفلسطينيون من تحرير أرضهم وقيام دولتهم وتحرير القدس التي هي واجب على الأمتين العربية والإسلامية.
ولا أن يكون الأمر مقتصراً على مناشدة اللجنة الرباعية والأطراف الدولية لحشد التأييد للمبادرة العربية واستصدار قرار من مجلس الأمن أو الجمعية العامة لتبنيها كإطار للحل المنشود للنزاع لأن المناشدات ثبت فشلها طوال العقود المنصرمة.
ثانياً: أما بخصوص الملف العراقي فهو لا يقل تعقيداً وخطورة عن الملف الفلسطيني. لقد تم تدمير العراق والقضاء على أعمدة حضارته المادية والاجتماعية والإنسانية من خلال الغزو والاستعمار العسكري والاقتصادي المباشر لكامل العراق ومفعلاً التقسيمَ إلى كل مشتقاته وتداعياته التفتيتية إلى ما لا نهاية.
أما أحاديث الديمقراطية وبناء نموذجها الذي سيحتذى في العراق، ليكون المدخل إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد، فليست سوى يافطات التسويغ الإعلامي التي لا بد لكل استعمار أن يخترع أقنعته الثقافية، ويسجل شعاراته البراقة علي أعلامها. لكن تحت تلك اليافطات عمل الاحتلال بكل منهجية دقيقة لكي يتحول إلى مخطط امتلاك دائم لثروات البلد الجريح.
لقد أبدى العرب استعدادهم لإعادة فتح السفارات العربية في بغداد شرط أن تلتزم الحكومة العراقية بتوفير الحماية الكافية لهم. وهذا جاء رداً على انتقادات عراقية بشأن تأخر عودة البعثات الدبلوماسية العربية إلى بغداد وتعهدوا بلعب دور عربي أكبر في تحديد مستقبل العراق في ظل تحركات دولية بينها الحوار المقترح بين أميركا وإيران.
ولكن القمة لم تقدم أي شيء بخصوص طبيعة الدور الذي يجب أن تلعبه في العراق ولم تحدد موقفها من الاحتلال الأميركي. أي أن العرب ما زالوا يفتقدون رؤية واضحة للتعاطي مع الملف العراقي، الأمر الذي يقود إلى الاستنتاج أنه لا دور عربي فاعل في العراق وأن دولاً إقليمية.
إضافة إلى أميركا ستصبح اللاعب المحوري في تحديد أمرين أساسيين هامين: مستقبل العراق ومستقبل الأمن في منطقة الخليج العربي. والآن يفرض هذا السؤال نفسه: هل أمسى العراق شأناً أميركياً ـ إيرانياً فحسب.
ثالثاً: فشلت القمة في وضع حجر الأساس لإصلاح وترميم العلاقات السورية ـ اللبنانية بما يخدم مصلحة البلدين وباقي الدول العربية ودعم المقاومة في لبنان حتى يتم تحرير كامل التراب اللبناني.
وهذا الأمر يترك للتدخل الأجنبي حرية التحرك السياسي والدبلوماسي وغيرها لتحقيق أهدافه المعلنة في القضاء على المقاومة اللبنانية وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تحت راية تطبيق القرارات الشرعية الدولية وحماية لبنان من التدخل السوري في الشؤون اللبنانية.
وأخيراً: أيدت القمة مسعى السودان للحصول على دعم عربي واضح لموقف الخرطوم في قضية استقدام قوات دولية إلى دارفور تحل محل قوات الاتحاد الأفريقي، وضمّنوا قرارهم الخاص بالسودان «ضرورة التشاور مع الخرطوم قبل انتقال القوة الأفريقية إلى قوة دولية حسب قرار مجلس الأمن الأخير».
إلا أن هذا الموقف العربي المتواضع لن يمنع مجلس الأمن من اللجوء إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز للمجلس إرسال قوات من دون الحاجة إلى موافقة سودانية، الأمر الذي سيضطر العرب إلى احترام القرارات الدولية لتفادي أي مواجهة مع المنظمة الدولية أو الولايات المتحدة بشكل أدق.
بالرغم من أن القمة لم ترتق إلى مستوى الأحداث الإقليمية والدولية ولم تلب المطالب الشعبية في العالم العربي إلا أن اليأس مرفوض والتفاؤل مطلوب وإلا لماذا توجد مقاومة شعبية مسلحة في فلسطين ولبنان والعراق.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com