بعد ما يقارب أربعين عاما تحول النزاع العربي الإسرائيلي من «لاءات الخرطوم» إلى «لاءات شارون».
لقد قرأ اليمين الاسرائيلي بزعامة آرييل شارون قراءة صحيحة ما جرى للعالم العربي خلال هذه العقود الأربعة فأصبح استخلاصه الرئيسي هو: نستطيع الآن أن نقرر بأنفسنا وحدنا مصير الصراع العربي الإسرائيلي وفقاً لرؤيتنا الذاتية فلا نحتاج إلى تفاوض مع العرب بمن فيهم الفلسطينيين.
انها قراءة تاريخية صحيحة لأنه خلال الأربعين عاماً الأخيرة ظل العرب ينحدرون من ضعف إلى ضعف.. إلى اضمحلال شامل.
رغم قسوة الهزيمة العظمى في عام 1967 الا أنها ظلت حتى رحيل عبدالناصر في عام 1970 هزيمة من الخارج وليست انهزاماً للإرادة في الداخل. فقد شرع عبدالناصر فور الافاقة السريعة من الصدمة في شن حرب استنزاف ضد القوات الإسرائيلية المنشورة على الشط الشرقي لقناة السويس.
ولكن، وكما أدركنا لاحقا بأثر رجعي، كان رحيل عبدالناصر بمثابة المؤشر الأول لدخول الأمة العربية عصر الانحطاط الاستسلامي.
لم يكن ينقضي على رحيل عبدالناصر «صلاح الدين القرن العشرين» عام ونصف العام حتى استأسد شاه ايران رضا بهلوي حيث احتلت قواته على نحو فجائي في مطلع عام 1972 ثلاث جزر تابعة للسيادة الوطنية للإمارات ومن ثم استصدار الشاه قرارا من برلمانه محاولا تحقيق اطماعه في البحرين.
إيران الشاه في ذلك الوقت المبكر لم تعترف بإسرائيل فحسب بل وعقدت معها تحالفا استراتيجيا ضد العرب.
وجاءت بعد ذلك حرب أكتوبر 73 التي ابتدرتها مصر السادات ضد إسرائيل فكانت انتصارا عسكريا أفرز هزيمة سياسية. هذا هو ما يستخلص من مذكرات هنري كسنجر الذي كان آنذاك مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون.
ذلك ان كسنجر يقول صراحة ان الحرب كانت تدبيرا أميركيا لتمكين مصر من تحقيق نصر عسكري محدود يعيد إليها شعوراً بالكرامة الذاتية من أجل ان تعترف بإسرائيل من موقع «قوة».
هكذا تحول «انتصار أكتوبر» إلى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ـ أو اتفاق كامب ديفيد ـ مما أدى إلى عزل مصر عن الأمة العربية.
لكن العزلة المصرية لم يطل أمدها، فقد أوعزت الولايات المتحدة في عهد الرئيس رونالد ريجان إلى العرب بما في ذلك مصر لمساندة صدام حسين في حربه التي أشعلها عام 1980 ضد إيران بعد عام ونصف العام من الثورة الخمينية.
هكذا انتهت عمليا ودون إعلان المقاطعة العربية لمصر لينسى العرب كامب ديفيد وإسرائيل حتى يتفرغوا للتضامن مع عراق صدام ضد نظام إيراني جديد يعتبر الولايات المتحدة «الشيطان الأكبر».
وبينما انهمك العرب في الحرب العراقية الإيرانية وتداعياتها الإقليمية في منطقة الخليج استثمرت إسرائيل الفرصة لاجتياح لبنان، ففي صيف عام 1982 اقتحمت دبابات الجنرال آرييل شارون الأراضي اللبنانية حتى وصلت إلى بيروت.
واختتم شارون ـ وزير الدفاع آنذاك ـ ملحمته بتدبير تواطئي مع «الكتائب» اللبنانية المسيحية لذبح آلاف من الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا قرب بيروت.
كانت تلك المرة الأولى التي تحتل فيها إسرائيل عاصمة عربية، وكانت أيضا ثمرة تحييد مصر عسكريا من خلال كامب ديفيد.