بعيدا عن البعد السياسي المربك في قمة الخرطوم، وانجازاته المتواضعة، سنتوقف أمام منجزات قمة الخرطوم في المجال التنظيمي، فقد صادقت القمة على إنشاء مجلس سلام وأمن عربي، يتألف من خمس دول لحل الخلافات بين أعضاء الجامعة، والتصدي للقضايا المتعلقة بالأمن العربي، وعلى نظام جديد للتصويت، بهدف إضفاء مزيد من الأهمية على قرارات الجامعة العربية، مع العلم ان مجلس الأمن والسلم سيتصدى للقضايا المتعلقة بالأمن العربي، والصراعات بين الدول العربية أو المشاكل التي تؤثر على أمن الدول العربية، وكذلك أسلحة الدمار الشامل، وحتى أمن المياه وحل النزاعات.
ومن مهام المجلس أيضا إنشاء قوة حفظ سلام عربية عندما تستدعي الضرورة، وتقديم توصيات إلى مجلس الجامعة بشأن التطورات التي تمس الأمن القومي العربي، أما العضوية فستكون بشكل دوري في المجلس العربي المشابه لمجلس -يعمل بالفعل- تابع للاتحاد الأفريقي، وتكون هذه العضوية لخمس دول على مستوى وزراء الخارجية، وهي الدولة التي تتولى رئاسة المجلس الوزاري، إضافة إلى الدولتين الرئيستين السابقتين، والدولتين الرئيستين القادمتين.
وقد ظل هذا التصور موضع نقاش في اجتماعات جامعة الدول العربية على مدار بضع سنوات، وكانت هناك اقتراحات بوجود أعضاء دائمين، كما هو الحال في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، غير أن بعض الدول العربية اعترضت على هذه الاقتراحات، خشية سيطرة قوى إقليمية على المجلس، وبموجب نظام مجلس السلم والأمن العربي، الذي يحتاج لمصادقة البرلمانات الوطنية، سوف تقضي كل دولة من الأعضاء بالجامعة العربية، والبالغ عددها ،21 عامين ونصف العام في المجلس الجديد.
وفيما يتعلق بنظام التصويت داخل جامعة الدول العربية، فبموجب النظام الجديد، سوف تحتاج بعض قرارات الجامعة العربية إلى أغلبية الثلثين، بدلا من الأغلبية البسيطة المطلوبة حاليا، ومن المعروف أنه في ظل نظام التصويت الحالي، فإن قرارات الجامعة غير ملزمة للدول التي لم توافق عليها؛ وهو ما يضعف إلى حد كبير من فعالية الجامعة.
والفكرة في التغيير هي أن الحكومات العربية ستشعر بأنها أقل ميلا لتجاهل قرار صدر بأغلبية الثلثين حتى إذا كانت لم توافق عليه، وهذه التغيرات الهيكلية، جزء من مشروع أكبر يدعمه عمرو موسى.. الذي تم التجديد له بالاجماع كأمين عام للجامعة العربية.
إن نجاح قمة الخرطوم في إنجاز هذه الجوانب التنظيمية ستكون له أبعاد على جانب كبير من الأهمية، ويفتح الباب لتفعيل مؤسسة القمة، ذلك أن هذه التعديلات ظلت مدار نقاش عاصف لسنوات خلت، واقرارها سيعطي نوعا من الديناميكية لعمل الجامعة، خاصة وأن مؤسسة الجامعة شهدت في السنوات الماضية تراجعا خطيرا في فاعليتها، حيث تكتفي كل دورة انعقاد بتكرار قرارات الدورة السابقة، مع تحديثات بسيطة تراعي المستجدات التي تلحق بالقضايا الكبرى، كقضية فلسطين، ومن شأن إدخال تعديلات على آليات عمل مؤسسة القمة، فتح المجال لتفعيل دورها في الحياة العربية، والمشاركة أكثر وأكثر في صناعة قرار عربي موحد، ببعد قومي ورؤية استراتيجية.