كلما بدأ حوار مع الغرب، تظهر على الساحة معضلة ترجع هذا الحوار إلى نقطة الصفر، لأسباب كثيرة، منها أن الغرب بات يتصرف بطريقة تكشف عن اقتناعه للأسف بنظرية «صمويل هينتنغتون» في كتابه «صراع الحضارات» الذي رشح فيه الحضارة الإسلامية للتصادم مع الحضارة الغربية !
ومنذ صدور هذا الكتاب عام «1993»، والنقاش لم يتوقف حول صراع الحضارات، واحتل الصراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية النقاش الأبرز والاحتمالات الأقوى، رغم الوضع المتردي الحالي للعالم الإسلامي، لكن هذا الوضع لم يمنع أنصار الصراع في الغرب من التأكيد على أن المسلمين يملكون مقومات القوة وأسباب النهوض، ومن ثم فإنهم يمثلون الخطر القادم المنافس للحضارة الغربية.
ورغم أننا كنا نميل إلى رفض رأي «هنتنغتون» الزاعم بأن الحضارات مصيرها التصادم والحروب. فالحروب هي نتيجة المصالح السياسية والاقتصادية، في أوقات معينة وأزمنة مختلفة.
وتكون نتيجة رغبة بعض الزعماء من ذوي الميول العدوانية غير السلمية، لذلك لا يمكن أن تستخدم كتبرير؛ فنظرية «صمويل هنتغتون» نظرية خاطئة، لأنها ليست السبب الذي يدعو العقلاء إلى الدخول في حروب.
رغم ذلك فإن الممارسات الغربية بدأت تكشف عن قناعة بنظرية «هنتغتون» فضلاً عن أنها تنطلق من وجود نظرة استعلائية غربية ورغبة في السيطرة على العالم..
ولعل هذا يفسر لنا السبب في أن الغرب يخرج أحياناً عن آداب الحوار، ويقع في الإساءة لنا ولمشاعر الملايين من العالم العربي أو الإسلامي، فهو لا يتورع عن وصفنا بأننا متخلفون، وأننا نتبع الإرهاب، ثم لا يتورع عن الإساءة إلى ديننا بحجة حرية الرأي والتعبير!
حيث توجد قناعة حقيقة لدى الجزء الأكبر من النخب الأميركية والأوروبية بأن حرية الرأي والتعبير من «المقدسات» التي لا يجب مسها، وأنها لا تتحدد بسقف ديني، واعتادت على الانحراف في التهجم على الأديان .
والذات الإلهية والأنبياء دون استثناء، فكثيراً ما تضمنت بعض الصحف الأوروبية والأميركية تهكماً على السيد المسيح عليه السلام وعلى السيدة مريم العذراء، وخرجت بعض الأفلام وبعض الأقلام لتسمعها معاً، وتثير استهجان المؤمنين في العالم كله.
ولاشك أن هذا الموقف يعوق الحوار، ومما يعوق الحوار أيضاً بيننا وبين الغرب الاختلاف حول أهمية الدين، فعندنا ـ أقصد العرب والمسلمين ـ ننظر إلى الدين كقيمة عليا لا تمس، أما الغرب فلم يضع الدين كقيمة عليا لا تمس، كما هو الحال في المجتمعات العربية والإسلامية .
وظلت هذه القضايا في إطار الشد والجذب بين التيار العلماني المسيطر على الإطار الثقافي في الغرب، وبين المتدينين الموجودين على هامش النخبة السياسية والثقافية في البلاد، الذين لم يستطيعوا إصدار قوانين قاطعة ورادعة من شأنها منع المس بالأديان نقداً أو تهكماً وليس ازدراء ـ كما هو حادث في البلدان العربية والإسلامية.
وربما يبدو غريباً في الوقت الذي يقبل فيه الغرب المساس بالمقدسات الدينية، فإنه لا يقبل المساس بالمقدسات الدنيوية، مثل الديمقراطية وحرية الرأي، بل ومثل «الهولوكوست» أي المحرقة اليهودية في ألمانيا.
وصار من المحرمات على أي باحث أو كاتب أن يناقش الوزن الحقيقي لتلك الجرائم طوال الحرب العالمية الثانية، وبات من يجرؤ على القول بأنها جزء من جرائم شهدها العالم كله أثناء الحرب، معادياً السامية، أما من يشكك في حدوثها فهو مجرم بحكم القانون.
كما حدث مؤخراً مع الباحث البريطاني الذي حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات لتشكيكه في وجود المحرقة، وكما حدث مع روجيه جارودي الفيلسوف الفرنسي الذي حوكم منذ سنوات بتهمة معادة السامية، بالإضافة إلى ما يجري هذه الأيام مع الرئيس الإيراني أحمدي نجاد.
وليس من شأن حديثنا اليوم إثبات حدوث المحرقة من عدمه، كما ليس من شأننا الدخول في هذا الجدل السقيم حول حجم الجرائم التي ارتكبها النازي بحق اليهود أو غيرهم، فهي بالتأكيد جرائم ضد الإنسانية ومدانة، وإنما من شأننا اليوم توسيع دائرة «المحرمات»، لتشمل المساس بالأديان وبالأنبياء وبالذات الإلهية، سواء بالتهكم أو الاستهزاء، وضمان عدم تكرار ما اقترفته الصحيفة الدنماركية مرة أخرى.
وإلى جانب معوقات الحوار توجد أيضاً ما يمكن أن نسميه مفارقات الحوار بيننا وبين الغرب.
وأول هذه المفارقات أنه حوار نخبوي بين أساتذة الجامعات والباحثين الأكاديميين في قاعات مغلقة ومؤتمرات علمية، أما عامة الناس أو رجل الشارع في الغرب أو الشرق فلا يعرف عنه شيئاً، ولا يستفيد من نتائجه ولذا لايزال رجل الشارع يرى أن الشرق شرق والغرب غرب! وأنهما متضادان على طول الخط.
والمشكلة أن رجل الشارع هو القاعدة التي يخرج منها في الغالب الرافضون للحوار والساخطون عليه وذلك بحكم المعاناة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها هؤلاء بكل ما يتفرع عنها من مظاهر الفقر والبطالة والتهميش.
وهذا ما أكده «توماس فريدمان» في مقالة «جيوب فارغة ونفوس غاضبة» بـ «النيويورك تايمز» في 22 فبراير الماضي لتفسير حقيقة ردود فعل الشارع الإسلامي والعربي تجاه أزمة نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم.
فهو يرى أن الفقر والبطالة والتهميش هي الأسباب الحقيقية والبعيدة وراء مظاهرات الغضب التي اندلعت في البلدان العربية والإسلامية احتجاجا على نشر هذه الرسوم، وفي حالة حوار الحضارات بين الإسلام والغرب فلنعترف ان هذا الحوار يقتصر في الغالب على قضايا فوقية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وقبول الآخر.
وكلها بالتأكيد قضايا نبيلة ومهمة لكننا ننسى أن الفقراء والمهمشين والعاطلين يحتاجون إلى فرصة عمل ومأكل ومسكن بقدر احتياجهم إلى الديمقراطية، ويحتاجون إلى التصالح مع أنفسهم بقدر وربما قبل أن نطالبهم بالتصالح مع الآخر. إن مثل هذه القضايا والاحتياجات مازالت غائبة عن أجندة حوار الحضارات.
ومن مفارقات الحوار أيضا إن الحوار يتم بين أناس متفتحين من الجانبين في حين لا يحدث حوار بين الأصوليين وتيارات اليمين المحافظ في أميركا وأوروبا مثلا.. إن هؤلاء هم المعنيون أكثر من غيرهم بقضية الحوار بسيط هو أن طروحاتهم الفكرية المتطرفة كانت دائما مصدر الخطر على الشرق والغرب معاً.
فإذا كنا نريد حواراً حقيقياً وصريحاً للثقافات فلابد من التغلب على هذه العقبات، كما لابد من الحل الجذري لكل المفارقات التي تنشأ عن الحوار، وهذا موضوع مقال قادم بإذن الله تعالى.
منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات
