عندما تقررت مأسسة القمة العربية، بتحويلها إلى حدث دوري سنوي متجول على عواصم العرب، ساد الانطباع بأن العمل العربي المشترك، ولو على المستوى التشاوري، حقق قفزة نوعية إلى الإمام، فقد كانت القمم تعقد حسب مقتضيات الظروف والحاجة. جداول أعمالها وقراراتها كانت مقصورة على الظرف الذي فرضها؛ مع أمور عمومية أخرى.
التوافق في قمة شرم الشيخ، عام 2000 على جعلها دورية، جاء بمثابة اعتراف بالحاجة إلى إنشاء مؤسسة عربية عليا يلتئم أعضاؤها بصورة منتظمة، مرة مثل هذه الأيام من كل عام، للنظر في قضايا الأمة.
ومتابعة القرارات واتخاذ اللازم منها. كما أنه جاء كاقرار بأن التحديات التي تواجهها المنطقة باتت تستدعي لقاء قمة؛ سواء كانت هناك أحداث كبيرة أم لا.
الأمر الذي أشاع الاعتقاد بأن التعامل مع الأوضاع قد يرتقي إلى مستوى الفعل والجدية؛ وبأن كثرة المخاطر المحدقة ربما تكون قد خلقت قدراً من الإحساس بأهمية وضرورة تطوير التضامن العربي، لأن الكل مستهدف ولا يسعه التصدي انفراديا للاستهدافات.
توالت القمم مذ ذاك، بانتظام. وأحياناً اتخذت فيها قرارات كبيرة وبالإجماع. لكن لا التفعيل تحقق ولا الخلافات هبط منسوبها. وحتى مبدأ الدورية لانعقاد القمة، تهدد عام 2004 وكاد يطاح به؛ لولا الاستدراك في اللحظة الأخيرة.
وقد تابع هذا المنحى المتذبذب مجراه، إلى أن وصلنا إلى القمة الراهنة، التي ضرب فيها الغياب رقمه القياسي ـ 9 من أصل 22 ـ كما جرى تقليص المدة وعدد الجلسات، إلى حد غير مسبوق ـ يوم واحد بدلا من يومين اثنين ـ. أما البيان الختامي فهو يتحدث عن نفسه لجهة قصوره عن الارتقاء إلى المستوى المطلوب؛ في لحظة تواجه فيها المنطقة التهابات وتهديدات وأزمات، لم تعرف مثيلا لها، في تاريخها الحديث.
وكان من الطبيعي بالتالي أن تأتي ردود الفعل الشائعة، في الإعلام كما في أوساط الرأي العام، على قدر كبير من الخيبة أو بالأحرى ان تأتي متوافقة مع التوقعات المسبقة، التي لم تكن تتوسم في القمة، أكثر مما انتهت إليه.
القمة السنوية مؤسسة متقدمة في مسيرة العمل العربي المشترك، فهي رافعة تمتلك قابلية التطوير لتصبح آلية دافعة إلى المزيد من التقارب ورافداً أساسياً من روافد التحصين للساحة العربية. بيد أن محصول حفلها ومواسمها كان شحيحاً. القرارات بقيت، عموماً، حبراً على ورق. فلا هي قدرت على التعاون لوقف التردي والتفسخ الداخلي، ولا كان باستطاعتها لجم الهجمة الخارجية.
الأمر الذي أشاع الإحباط، كلما انعقدت أو ذكر اسمها. ولا يبدو أن هناك مخرجا من هذه الدوامة وتغيير الصورة؛ إلا بإنتاج محصول مختلف وعلى النقيض من المألوف.
بالتحديد، المطلوب إنتاج «قرارات عربية فاعلة يلمسها ويحس بها المواطن العربي بحيث تنعكس إيجابا على حياته وازدهاره الاقتصادي الذي يشكل مدخلاً أساسياً ومهما للاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي .
وتحقيق التضامن العربي والوحدة الاقتصادية العربية على حد ما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الذي يترأس وفد الدولة إلى القمة.
المدخل واضح. والمطلوب ليس فقط طرد الإحباط في الداخل؛ بل أيضا فرض الحضور في الخارج والمفتاح: قرارات فاعلة على الأرض. والا بقيت القمة مناسبة للمصافحة، لا تتقبلها المرحلة الراهنة.