العرب اليوم في كل بلدانهم على موعد مع القمة العربية المنتظرة التي تحتضنها بكل الحب العاصمة السودانية الخرطوم، صاحبة واحدة من أشهر وأهم القمم العربية خلال ستة عقود.

ارتبط اسم الخرطوم بتلك القمة التي عقدت في آب 1967، أي بعد شهرين من قيام «إسرائيل» بأوسع عدوان على ثلاث دول عربية واحتلال شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية والجولان. ‏

تلك القمة عُرفت باللاءات الثلاث التي تبناها قادة الأمة: لا تفاوض، لا صلح، لا اعتراف، وشتان ما بين الذي كان وبين الذي صار. ‏

اليوم أسقط بعض العرب لاءات الخرطوم إما لأسباب ذاتية وإما كنتاج لتدخلات خارجية نعرّفها نحن العرب بتسمية «المؤامرة» دون أن نظل في تطبيقات «نظرية المؤامرة». ‏

ندرك اليوم أن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، وأن إحياء لاءات الخرطوم نوع من الحلم و«عدم الواقعية» حسب تفسيرات مجموعة عربية ارتضت الواقعية تلك وسهّلت الأمر على نفسها فانخرطت في نهج مغاير يتعارض كلياً مع نهج الخرطوم 1967. ‏

إلاّ أننا نؤمن بالواقعية على أنها التعامل مع الواقع دون التفريط بالحقوق والأرض والمقدسات ودون أن نرفع الراية البيضاء ونجاهر بالهزيمة فقط لأن عدونا يفوقنا قوة، وأن دولة عظمى تتبناه وتدافع عنه وتحجب عنه أي عقوبة أو إدانة دولية في الأمم المتحدة. ‏

الواقعية لا تعني التخلي عن الثوابت لمصلحة المتغيرات، بل أن توظف المتغيرات في مصلحة الثوابت، فالسلام العادل والشامل هو ما يمثل قمة الواقعية العربية التي ظهرت في قمة بيروت عام 2002، فلأول مرة يتوافق العرب على إقامة علاقات مع «إسرائيل» لقاء السلام.. ويعرف العرب والعالم كيف كان الرد على تلك المبادرة العربية غير المسبوقة. ‏

اليوم في الخرطوم يقف العرب أمام امتحان جديد للإرادة والتصميم، والنجاح في هذا الامتحان أصبح أكثر من ضرورة ملحة ولا يجوز الإخفاق فيه تحت أي مبرر أو تسويغ، فالمشهد العربي من العراق إلى فلسطين ولبنان لا يحتاج إلى شروحات وتفسيرات وتحليلات، فالأمة أضحت تحت الحصار وأمام تحديات غاية في الخطورة..

والشارع العربي الذي يطمح للحد الأقصى من التضامن والتعاضد ورص الصفوف يرضى بالحد الأدنى، لكنه لا يرحم، والتاريخ لا يرحم، إذا أخفقنا في هذا الامتحان، أو حاول بعضنا السير خطوة واحدة تحت الحد الأدنى، وأملنا كبير بقادة الأمة وبقمة الخرطوم الجديدة.