المجمع العربي الذي سيلتئم اليوم في الخرطوم على مستوى نصف قمة لغياب عدد من القادة ستضاف اعماله إلى أرشيف ما سبقه من مجمعات منذ ان أصبحت القمة تنعقد دوريا كل سنة وحتى يومنا هذا.

والمصيبة أن توقع مثل هذه النتائج المتشائمة لم يعد أمرا صعبا لدى من خبر الحياة السياسية العربية وتعرف على فقدان النظام العربي العام واهتدى الى سر الفشل الكائن دائما في اشتراط الاجماع لصدور القرارات وإلا فلا قرارات ولا إنجازات ولا شيء.

يضاف إلى هذا الواقع المنهار والمعطوب، إن ما ينتجه هو هذا التقوقع على الذات الذي بدأنا نستشعره في المجتمعات العربية والذي يعني تحديدا التخلي المطلق عن حتمية الجماعية القومية وعن اليأس المطلق من قيام وحدة عربية أو اتحاد عربي بشتى الانواع وبمختلف الاساليب.

ما يتبقى بعد ذلك هو ما نراه الآن وهو الحفاظ على ماء الوجه البروتوكولي والايحاء للعالم بأن هناك اجتماعا عربيا واحدا ينتظم دوريا كل سنة دونما اكتراث بما يحققه هذا الاجتماع حتى ولو كان صفرا كبيرا.

إن واقع الحال هذا حول القمم العربية الاخيرة يؤكد انها تحولت إلى ناد كبير للثرثرة حتى لا نقول للسجالات ولتفريغ شحنات عاطفية مكبوتة لو جرى تفسيرها لعبرت عن حرب اهلية عربية محفوظة في الصدور وتجري ترجمتها كل يوم في ازدياد الفرقة وابتعاد الفكر المصلحي عن سياسات الدول العربية كلها وبلا استثناء.

نحن هنا لا نتشاءم بل نحرض على الاقرار بالواقع العربي النافي للحاضر وللمستقبل تمهيدا لإعادة تكوينه على اسس وقواعد عصرية تجعل العالم العربي كله جزءا لا يتجزأ من حركة الكون بدل ما هو الآن جزء راكد ينتظر على أرصفة هذه الحركة وبعيدا عن تفاعلاتها الحضارية.

القمة الآن تنعقد اليوم بمن حضر في الخرطوم والذي يبدو متوقعا منها هو المزيد من الاغتراب عن النفس وتجاهل الواقع.

فالقرارات الدولية اكبر من المجتمعين وبالتالي فإن المجال سيكون مفتوحا للثرثرة واستعراض الافكار الذاتية وبعض الرؤساء سيظل امينا على طبيعته فيعتبر نفسه أستاذا داخل مدرج الكلية والزعماء أمامه طلاب فيرهقهم بالنظريات وباستعراض بلاغته الحزبية وشحناته الثورية وهي استعراضات لاتهم أحدا بل تهم هذا البعض لوحده إضافة الى انها استعراضات فارغة بلا معنى وبلا جدوى.

قمة الخرطوم هي الثالثة منذ ان اصبح الانعقاد دوريا فعلى ماذا اتفق العرب في هذه القمم، وماذا انجزوا واشعرنا ان ثمة شيئا تغير في حياتنا العامة وأين اصبحت المبادرات وأهمها مبادرة خادم الحرمين الملك عبدالله للسلام في المنطقة وقد طرحها في قمة بيروت قبل ثلاث سنوات عندما كان وليا للعهد، وأين المتابعة لهذه المبادرة؟!

لا شيء يبدو في الواقع يبعد القمم العربية عن شبهة التحول إلى ناد للثرثرة وإلى تفريغ مسارات للسياسات العربية تتنقل من مكان إلى مكان لا يحكمها منطق ولا يضبطها منهج وحدودي واحد.