عشية الذكرى الثالثة لغزو العراق على يد التحالف الأنجلو ـ أميركي، خبت أنوار مدينتنا المتهالكة وما جاورها من المدن الأخرى الناعسة عند الساعة ذاتها التي تطفأ فيها كل يوم منذ أدركت بعقلي أني موجود على هذه البسيطة.
وقبلها كان الناس هناك قد تبادلوا تحيات المساء وتمنوا لبعضهم نوما هنيئا وأحلاما سعيدة وطبعت الأمهات والآباء قبلة ما قبل النوم على جباه أبنائهم الأحباء، وقبّل الصغار أيدي الكبار والأزواج احتضنوا زوجاتهم طلبا للدفء في جو مشبع ببرد نهاية فصل الشتاء، الذي يبدو أنه طال حتى أتى على حرارة الدماء الجارية في عروقهم.
عشية الذكرى الثالثة لنكبة بلد عربي آخر.. تعالت الأصوات والصرخات من كل أصقاع الأرض منددة بالاحتلال ومطالبة بجلاء قواته عن أرض الرافدين، ما عدا في أرض العرب والعروبة ساد صمت طغى على صمت القبور، منذرا بمزيد من القتل والموت على قاعدة أن الدم يصبو إلى دم آخر جديد وأن العنف لا يولد إلا العنف انطلاقا من قانون كل إناء بما فيه ينضح.
عشية هذه الذكرى الأليمة وذكريات أليمة أخريات لاحقات وسابقات، لا بأس يا صديقي باقتناص بعض من وقت ضائع أصلا لنغوص، لكن ليس إلى حد الغرق، في الحلم العربي الجميل المفعم بالتطلعات نحو الوحدة والحرية.
ولنلقي نظرة ولو عابرة من فوق الأنف على ما آل إليه حالنا، الذي يتشاطر، على اختلاف الأقطار العربية، عنصرا ناظما واحدا يتمثل في ازدراء كرامة هذه المنطقة من العالم والدوس على مقدراتهما ومقدساتهما وحتى على أحلامهما وهي في المهد..
أحلام لا يعلم سوى خالقها كيف يهنأون بها في كل هذه العتمة والبؤس واليأس والهوان والإذلال وكل أخوات هذا النوع من المفردات، التي باتت تنتمي نظريا إلى قاموس أكل عليه الدهر وشرب، وعمليا إلى واقع ملموس يجسد حقيقة ملموسة تفقأ أعين حتى فاقدي نعمة البصر.
ولنبدأ ولا نتوقف فقط عند النقطة التي آلت إليها مساعي الحوار بين إيران والولايات المتحدة حول الموضوع العراقي، بعد أن أعرب البلدان عن حماسهما للدخول في مثل هكذا حوار .
وفي بغداد تحديدا، ضاربين بعرض الحائط كل الجهد الداخلي المبذول على الأرض من قبل شتى أطياف ومكونات الشعب العراقي، الذي ظهر بمظهر آخر من يعلم بأمر لا يخص أحداً سواه، ذلك الجهد الذي تجلى أخيرا وخصوصا في حل الجمعية الوطنية العراقية وعقد أولى جلسات مجلس النواب العراقي.
وهو جهد تُضاف إليه جهود أخرى تتصدرها محاولات جامعة الدول العربية لرأب الصدع في لحمة الشعب العراقي والتي ذهبت جميعا أدراج الرياح مع بروز الخطوة الأميركية ـ الإيرانية المشتركة.
من طبيعة الأشياء أن الأطماع والتطلعات ليست حكرا على الأمم الكبرى والقوى العظمى، فللقوى الأصغر حجما والأقل جبروتا أطماعها وتطلعاتها الخاصة أيضا.
وبالتالي فإنه من ضروب الغباء السياسي الظن ولو للحظة واحدة بأن قبول العدوين اللدودين الجلوس على طاولة المفاوضات للبحث في شأن بلد ثالث يندرج في إطار مصلحة الشعب العراقي، فالجميع يعلم.
كما نحسب، بأن النفط وخدمة مصالح الكيان الصهيوني هما جل اهتمام الجانب الأميركي وبأن العراق كامتداد جغرافي وديني وكحيز للانتقام هو مبتغى ما تصبو إليه إيران عند خاصرتها الغربية، التي تمثل بوابة لا غنى عنها عندما تدير نظرها إلى العالم العربي.
ويبدو أنه آن الأوان لكي تشارك إيران رسميا بقضم حصتها «المستحقة» من الكعكة العراقية الشهية، الأمر الذي لا شك سيفتح لها الباب واسعا لاستعادة ذكريات يعز على أصحابها أن تبقى ضمن حدود وجدانهم فقط، فهم يتطلعون إلى أن ترى هذه الأحلام التاريخية والدينية النور في أقرب فرصة ممكنة .
وذلك بعد أن قدمت الجمهورية الإسلامية أوراق اعتمادها إلى السيد الأميركي على حساب الورقة الأفغانية والدور الذي لعبته إيران هناك وفي العراق أيضا، إذ يدرك القاصي والداني أنه لولا وقوفها مكتوفة الأيدي أثناء كلتا الحربين، لما تمكنت جحافل الأميركان والانجليز من إحداث هذا الحجم الهائل من الاختراق الاستراتيجي في منطقة يتوقف عليها وعليها فقط مستقبل العالم.
bassil@albayan.ae