من يصدق أنه في الفترة من 29 أغسطس إلى 1 سبتمبر عام 1967، اجتمع القادة العرب، في مرحلة ما بعد هزيمة الخامس من يونيو النكراء في الخرطوم، عن بكرة أبيهم. حيث استطاعوا حل العديد من الصراعات العميقة فيما بينهم، وعلى رأسها الصراع المصري السعودي بخصوص اليمن،.

والموقف من الصراع العربي الإسرائيلي، ومرحلة ما بعد الهزيمة، ومساعدة الفلسطينيين. من يصدق أنه رغم الهزيمة النكراء جلس العرب واستطاعوا أن يفرضوا اللاءات الثلاث الشهيرة، لا اعتراف، لا صلح، ولا تفاوض مع إسرائيل.

وربما بسبب حجم الهزيمة وتأثيراتها الشاملة، نجحت القمة، ونجح العرب عبر الجامعة العربية، وعبر القيادة السودانية الموجودة آنذاك، أن يجلسوا معا ويتصارحوا ويتحاوروا ويتفاهموا. نجحوا أن يلفتوا نظر العالم إلى أنهم لم ينهزموا نفسيا وحضاريا، وإن انهزموا عسكريا. نجحوا في أن يخففوا العبء الهائل عن قيادات الدول المنهزمة وعن شعوبها.

وبسبب قمة الخرطوم هذه، والدعم العربي الشامل نفسيا وماليا وعسكريا، نجح العرب مرة أخرى في هزيمة إسرائيل عسكريا، رغم الأساطير التي ارتبطت بجيشها، ورغم حجم التحديات الهائلة التي ارتبطت بمجرد التفكير في مهاجمتها.

ومنذ عقد قمة الخرطوم 1967 وحتى الآن، شهد العالم العربي تحولات هائلة أدت في مجملها إلى إضعاف الإحساس بالهوية العربية، الأمر الذي أشعل فتيل العداء فيما بين العرب أنفسهم وأوصل البعض منهم إلى الكُفر بكل ما يمت للعروبة بصلة.

وفي هذا السياق وصل الأمر بالبعض إلى حد الدفاع عن إسرائيل ذاتها، والتقليل من مخاطرها مقارنة بما قام به البعض من القادة العرب ضد المنطقة ككل، وضد البعض الآخر من الدول العربية.

وربما يمكن التذكير هنا باتفاقيات الصلح المنفردة مع إسرائيل التي عقدتها كل من مصر والأردن وفلسطين، وبالاحتلال العراقي للكويت، وبالموقف العربي المخزي تجاه احتلال العراق، إضافة إلى العديد من المواقف المستترة التي تحدث في الخفاء بأوامر وضغوط أميركية.

وتصب في مصلحة إسرائيل. وما بين قمة الخرطوم 1967 وقمة الخرطوم 2006، طلّق العرب لاءاتهم الثلاث، وارتموا في أحضان آلاف النعمات، نعم لأميركا، نعم لحماية وصيانة إسرائيل، نعم لمحاربة الإرهاب، نعم لإدانة سوريا، نعم للعقوبات المفروضة على العراقيين.

نعم للقواعد العسكرية الأجنبية، نعم لتجويع الشعب الفلسطيني، نعم لحصار حماس، نعم لتأديب إيران، نعم لحماية الأقليات، نعم لتغيير المقررات، نعم للغة الإنجليزية، نعم للرؤى الجديدة... إلخ من قائمة النعمات التي يمكن أن تشمل كل شيء من السياسة، والاقتصاد، والتعليم، والإعلام، وحتى شؤون الحياة الزوجية والإنجاب وأسماء الأبناء.

تحتاج قمة الخرطوم القادمة أن تتحلى بكلمة لا، وأن تعيد العصر الذهبي لهذه الكلمة المغضوب عليها. يحتاج المواطن العربي في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ المنطقة العربية أن يرى القادة العرب وهم يقولون لا. يحتاج هذا المواطن أن يرى قادته وقد نحوا خلافاتهم الصغيرة جانبا، وتوحدوا أمام الآخر المتنمر بالمنطقة.

مفارقة محزنة أن يغلي الشارع العربي بما يحدث حوله من امتهان أميركي إسرائيلي للمنطقة العربية، وأن يبدو بعض القادة العرب هادئين تشغلهم خلافاتهم الشخصية أكثر من أي شيء آخر.

في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ المنطقة لن تستطيع الجامعة العربية أن تقوم بأدوارها، سواء أكان أمينها العام عمرو موسى أم غيره، سواء أكان مصريا أو تونسيا أو سعوديا، إلا من خلال حد أدنى من الاتفاق والالتزام بين القادة العرب. فمن دون هذا الاتفاق لن يجدي ما يفعله أي أمين عام للجامعة العربية فتيلا. مطلوب أولا الحضور الشامل للقادة العرب.

ومطلوب ثانيا إجماع هؤلاء القادة على عدد من القضايا المحددة مثل الموقف من حماس والهمجية الإسرائيلية، الموقف من الاحتلال الأميركي للعراق، الموقف من التسليح النووي الإيراني واحتلال الجزر الإماراتية الثلاث، الموقف من التهديدات الأميركية المتواصلة للمنطقة، الموقف من مساندة السودان.

والعمل على مساعدتها من أجل إيجاد حل للوضع المأساوي في دارفور، الموقف من قضايا التنمية والتعليم وأوضاع الأقليات والإصلاحات السياسية في العالم العربي.

مطلوب أخيرا أن نتحدث كعرب تجمعنا هوية واحدة، وهموم وتطلعات مشتركة. مطلوب أن تتبنى الجامعة العربية مشروعاً يعيد للمواطن العربي إحساسه بهويته العربية، ليس من موقف شوفيني منغلق وجامد.

ولكن من موقف حضاري يرتبط بمخاطر اللحظة الراهنة وأوضاعها المأزومة. هل يفعلها القادة العرب هذه المرة، أم أننا نحتاج إلى هزيمة نكراء كبرى تُنجح قممهم وتُفعّل قراراتهم؟

كاتب مصري