يبين التاريخ أن الامبراطورية تشن الحرب لواحد من هدفين: إما لحماية نفسها، أو للحصول على فوائد بنتيجة الحرب. أما إذا كان هناك سبب آخر، كما يعرض بول كندي في كتابه «ظهور وسقوط القوى العظمى»، فعندها سيشكل نشر القوى العسكرية الزائد عن حده استنزافا لموارد الامبراطورية، مما سيعجل سقوطها.
وفي تصاعد التهديدات العسكرية الأميركية ضد إيران فإننا نرجح الدافع الأول حماية الامبراطورية. وذلك قياسا على ما حدث مع العراق يوم اتخذ قراره بالتحول من الدولار إلى اليورو في تجارته النفطية وحساباته الدولية في نوفمبر 2000.
وبالفعل، بعد شهرين على احتلال الولايات المتحدة للعراق أغلق برنامج «النفط مقابل الغذاء»، وحولت حسابات العراق المودعة باليورو إلى عملة الدولار من جديد، كما عادوا لبيع النفط العراقي بالدولار الأميركي. لقد استعاد الدولار تفوقه الكوني.
جاءت إيران لتشهر في وجه الامبراطورية الأميركية سلاحا أخطر يستطيع تحطيم النظام المالي الذي يشكل قاعدتها الأساس. هذا السلاح هو بورصة النفط الإيرانية التي كانت تنوي إيران افتتاحها في مارس 2006. ستعمل هذه البورصة على أساس اعتبار عملة اليورو الوحدة الحسابية في آلية تجارة النفط. هذا النظام سيسمح لكل من سيبيع النفط أو يشتريه باليورو إبرام الصفقات في البورصة، وبذلك يستثنى الدولار كليا من التعامل.
إذا ما نشأ مثل هذا الوضع فسيطرب له كثيرون: الأوروبيون لن يحتاجوا إلى الاحتفاظ بكميات كبيرة من الدولارات لأنهم سيدفعون مقابل النفط بعملتهم الخاصة.
وهذا سيضمن لليورو وضع العملة الاحتياطية العالمية. الصينيون واليابانيون سيستطيعون تخفيض احتياطاتهم الدولارية الضخمة وينوعوا احتياطاتهم النقدية بإدخال اليورو كمكون أساس.
ويتجنبوا آثار التآكل المستمر لسعر صرف الدولار. وسيكون ذلك من صالح الروس أيضاً. فروسيا من كبار مصدري النفط، وتجارتها تجري في الأساس مع الدول الأوروبية ومع الصين واليابان.
ناهيك عن أن الروس عمدوا منذ فترة إلى جعل الذهب أهم مكونات احتياطاتهم النقدية. ولكون دول الخليج منتجة ومصدرة للنفط فإنها ستجد مصلحة كبيرة في هذا التحول، وكذلك لسبب أن أكثر تجارة البلدان العربية هي مع الاتحاد الأوروبي. أضف إلى ذلك تزايد شعور عدم الاطمئنان في علاقات هذه الدول بالولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر 2001.
وحدهم البريطانيون سيبدون بين المطرقة والسندان. فهم كانوا على الدوام شركاء استراتيجيين مع الأميركيين، لكنهم أيضا يشعرون بالميل الطبيعي لأوروبا. البورصتان الرائدتان في عالم النفط الآن هما بورصة نيويورك وبورصة لندن النفطية العالمية، لكن ملكية كلتيهما تعود للأميركيين في واقع الأمر.
ويرى المحللون المتابعون أن بريطانيا لن تقدم على الإضرار بمصالحها الخاصة في بورصة لندن. ومع ذلك فرغم كل خطابية البريطانيين حول أسباب الاحتفاظ بالجنيه الاسترليني، إلا أن عدم تحولهم لليورو كان في الحقيقة بسبب الضغط الأميركي عليهم. فلو حدث ذلك لتحولت بورصة لندن إلى اليورو أيضا، وهذا ما كان سيعني الضربة القاضية للدولار وللشريك الاستراتيجي.
ومهما كان القرار البريطاني فعندما ستبدأ بورصة طهران عملها سيجد اللاعبون الرئيسيون - الأوروبيون، الصينيون، اليابانيون، الروس والعرب - أن من مصلحتهم التحول إلى اليورو، واضعين نقطة النهاية أمام تاريخ الدولار كأداة لجباية الضرائب من بلدان العالم الأخرى. ولا يمكن للأميركيين أن يسمحوا بذلك، وسيستخدموا مختلف الاستراتيجيات من أجل وقف أو إعاقة عمل بورصة النفط هذه.
وسيكون الخيار الاستراتيجي المفضل هو الإطاحة بنظام الحكم الإيراني، كما أطيح نظام مصدق عندما قام بتأميم النفط الإيراني في بداية الخمسينات. والتلويح بخطر السلاح النووي الإيراني إنما يعني هنا أحد أوجه معاقبة إيران على توجهاتها لإقامة بورصة النفط بحرمانها من إمكانية تطوير برنامجها النووي للأغراض السلمية.
لكن قرار الحرب سيكون شديد الإيلام بالنسبة للأميركيين هذه المرة. فالموارد الإدارية والمالية والبشرية غير متاحة للوقوف بجدارة في وجه إيران بالوسائل العسكرية. وبسهولة يمكن أن تنتشر هذه الحرب على رقعة جغرافية واسعة جدا مما قد يدفع الأميركيين إلى التخلي عن نمط الجيش التعاقدي إلى التجنيد الإجباري كما كان الوضع في حربي كوريا وفيتنام.
فبسكانها البالغ عددهم 68 مليون نسمة تشكل إيران أكبر دولة في المنطقة وتتمتع بموقع مهم بين الخليج وبحر قزوين وآسيا الجنوبية والقوقاز وآسيا الوسطى. الامتداد الشيعي في المنطقة ووجود أقليات قومية كبيرة من الأذربيجانيين والكرد والعرب والبلوش، يسمح بتواصل فعال بين إيران وبلدان كامل المنطقة.
ولسوء حظ الأميركيين يبدو أن مجمل حملتهم «ضد الإرهاب» كان يعني أنهم كانوا ينفذون كل الأعمال الشاقة نيابة عن إيران. لقد أطاحوا نظام الطالبان الذي شكل عقبة أمام انتشار النفوذ الإيراني في أفغانستان.
وعبارة «انتصرت إيران» هي نكتة لاذعة تداولها الأميركيون بعد إعلان بوش انتهاء الحرب على العراق. فبتحطيم العراق حقق الإيرانيون ما لم يحققوه في الحرب التي امتدت ثماني سنوات. ويضطر الأميركيون اليوم إلى المفاوضات مع الإيرانيين بشأن العراق. وقد تطرح على الطاولة المسألة الأهم: إثناء إيران عن فتح بورصة النفط.
كاتب بحريني
